أضيف في 23 ماي 2012 الساعة 32 : 15


الخطر القادم




الخطر القادم

 

 بقلم : بوحمدي ريناس

في إحدى خرجات شيخ السلفيين المدعو المغراوي، وهو بالمناسبة الذراع الوهابي بالمغرب، لم يتوار عن الإعلان بما يضمره الإسلام السياسي وأمام الملأ، مبشرا رئيس الحكومة بتأبيد الحكم بين يدي حزبه إلى "أن يرث الله الأرض"! ما لزم العمل ب"شرع الله" و"نشر الإسلام" في بلد معظم سكانه مسلمين  .

أليس في طيات هكذا تصريح إعلانا واضحا أن الآليات الديمقراطية ما هي إلا مطية للوصول إلى الحكم ومن ثم تأبيده ؟ حتما ستسارع الجهة الموكولة لها داخل التوجه ألإسلامي برفع الحرج تحت مبررات ودواعي عديدة سيطول المقام بذكرها؛لكن ربطنا تلك البشرى التي أطلقها الشيخ المغراوي بإمينتانوت بمجموعة من الأحداث،ليس للصدفة أي دور في إخراجها إلى دائرة الضوء بدأ بإيجاد أصل ميتافيزيقي (مشرقي شريفي) ل بن كيران بعيد تعيينه كرئيس للحكومة،  مرورا بإحداث كتائب "النهي عن المنكر" بعدد من المناطق لم يكن اختيارها اعتباطيا،والهجوم الممنهج على كل أشكال الفنون والمرح التي تمكن من استقطاب  حشود جماهيرية يعاد تنفيسهاـ والحركة الإسلامية في أمس الحاجة للإبقاء على غيضها (الجماهير) و لتبقى الساحة هكذا متاحة فقط للخطاب الديني لكي يمارس دعاته ورموزه هواياتهم المفضلة في كيل الاتهامات للأفكار الأخرى ولأصحابها بالكفر والإلحاد وانعدام الأخلاق  لاستغلالها  يوم تتاح الفرصة للزحفـ  والانقضاض على المجتمع والسلطة ـ   إضافة إلى تصريحات قيادي العدالة والتنمية التي تصب كلها في معنى التدرج لتطمين الأتباع والحلفاء :(تصريح مصطفى الرميد لدى زيارته للمغراوي بمراكش؛ تصريح بن كيران أمام شبيبة حزبه بتشبيه المرحلة بالبدايات الأولى للإسلام، وصايا و تحذيرات الموجه الروحي للحزب من السعودية، التمويه الذي يمارسه الذراع الدعوي تحت يافطة الاستقلالية ...الخ)  والتظلمات التي مازال يجترها بعض التكفيريين (الحدوشي الفيزازي...الخ) لاستدرار العطف. وانتهاء  بأدبيات الحركة الإسلامية بكل أطيافها والتي توزع الأدوار فيما بينها بحنكة تستلهم إستراتيجية عملها من "معالم الطريق" للسيد قطب كمنبع إيديولوجي، ومعانقة البعض ومحاباة البعض الأخر للفكر الوهابي كمصدر للتمويل والتموين  ،يجعل كل مراقب يقتنع أن الحركة الإسلامية السياسية مهما اختلف موقع مكوناتها غير مؤمنة البتة بالديمقراطية لأن سلطانها ليس له  إلا حجتان قاطعتان عليهما تعتمد، وهما: الحسام البتار والدرهم ،وإيمانها الراسخ  أن "التحريم شرعة الله، وسيظل هذا التشريع فوق عقول البشر لأنه شرع الله ودينه الخالد”.

نعم سيتحجج البعض بقبول آل بن كيران قواعد اللعبة وبمراجعات شيوخ التكفيريين، لكن هذه الحجج لا تبقى صامدة أمام سلوكياتهم والأفكار التي يروجون لها والتي تجد مرتعا خصبا هيأته لهم 50سنة من سياسة الاعتراب والأسلمة التي انتهجتها الدولة منذ دخول معاهدة إيكس ليبان حيز التنفيذ،هذه السياسة التي أنتجت ذهنية ارتدادية منغلقة وصادة لكل المنافذ على الأفكار المختلفة، سياسة عطلت كل أدوات العقل والنقد،سياسة هجرت وجدان المغربي إلى عمق وهمي وأصل خرافي،أدى إلى احتقار ذاته ؛ ستنقلب يوما إلى نقيضها مادام العقل الباطني للإسلام السياسي يحفزه مبدأ إحقاق "حقوق الله" كأن الله غير قادر على  حماية حقوقه بمعزل عن مخلوقاته.

ثم كل هذا السيل من الأحداث المتتالية التي يتم تسريبها عبر قنوات الإعلام بفيض من التفاصيل تهدف من بين ما تهدف إليه ,عرقلة التفكير،وتعطيل عقل المراقبة والرصد من جهة وإلهاء الشعب لإبعاده عن النقاش العمومي حول مساره ومصيره من جهة أخرى؛ بالإضافة إلى ترديد بن كيران للازمة  مفادها أنه غير معني بالمنازعة مع المؤسسة الملكية ؛لعل هذا الإحساس الذي يتملك رئيس الحكومة وبالتالي   الحركة الإسلامية برمتها مرده إلى الإحساس بالفارق بين الخلفية الفكرية التي تحركه والعمل السياسي المقبل على تنفيذه والذي لا دخل له في وضع خطوطه العريضة مما سيزيد الفجوة سعة وعمقا بحكم أن ما كان يهم النظام أثناء مفاوضة الحركة الإسلامية هو اعتراف هذه الأخيرة بشرعية الملك كأمير للمؤمنين ؛وكذلك نفس الشيء بالنسبة للذارع التكفيري دون باقي المبادئ التي تتبناها بما فيها مبدأ"الحاكمية لله" وإن تتفاده مؤقتا في أدبياتها.

وهو ما يمكن  أن نستشفه في حوار لأحمد الريسوني لموقع العدل والإحسان حيث يؤكد  :…وآل الأمر إلى أن كل واحد يشتغل، حتى إذا لم يكن هناك تعاون، فعلى الأقل هناك تفهم متبادل واحترام متبادل ... هذا كله تعايش، لأن هذا التعايش بصراحة، أو هذا التعايش والتآخي والتحاور والاحترام المتبادل هو الذي يمكن أن يهيئ الأرضية لشيء أكثر لأنه حينما تكون العلاقات هادئة وحينما يسود الاحترام يكون الجميع متهيئا لخطوات تنسيقية، لخطوات تعاونية، لخطوات توحيدية، أما حينما تكون هناك مناوشات وتوترات، عادة لا يفكر أحد في شيء من هذا، ولا يفكر في أكثر من أن يحل تلك التوترات والخصومات والحزازات العابرة. فإذن الآن بعد هذا التحسن المستمر والمودة المتزايدة والاتصال الذي يكاد ينتظم لأنه مستمر تقريبا، حتى ولو كان في المناسبات، فهي مناسبات متكررة، هذا يهيء الآن، بل قد هيأ بالفعل، أرضية للتفكير فيما هو لاحق، وفيما يمكن أن تنتقل إليه العلاقات لتكون أكثر إيجابية ولتكون بناءة أكثر في المستقبل إن شاء الله. وكذلك في جواب حركة التوحيد الاصلاح على رسالة العدل والإحسان، مؤكدة أن الخلاف بين الطرفين «لن يفسد للود قضية،و«إننا إذ نعتقد أنكم واعون ومدركون لما بين المنهجين المعتمدين لدى كل منا من تباين واختلاف، فإننا في الوقت ذاته نعتبر أن ما جمع بيننا وبينكم وبين كل العاملين لإقامة الدين وإصلاح المجتمع، يحتل مساحة واسعة يحسن بالجميع الاجتهاد لتمتينها، والسعي لتوجيهها لما فيه إرضاء ربنا وخدمة ديننا وأمن بلداننا ورحمة أمتنا».

فالحركة الإسلامية المغربية وبالرغم من بعض الخصوصيات التي ميزتها عن نظيرتها المشرقية إن بدأت تتلاشى، و إن ما زال النظام يتحكم في بعض خيوطها كمنشئ لها في سبعينيات القرن الماضي لضرب اليسار ووقف مده،وداعم لها من خلال تقليص الفكر النقدي وتقوية مادة التربية الإسلامية في التعليم الثانوي وفتح شعب الدراسات الإسلامية في الجامعات المغربية موازاة مع تقليص مادة الفلسفة ،لكن هذه الخيوط قد تتشابك بين لحظة وأخرى،نظرا لطغيان التوجه المشرقي عليها من جهة ،وإتقانها  الانتهازية السياسية من جهة أخرى.

و ما شعار"البناء الديمقراطي" الذي وضعه حزب العدالة والتنمية لمؤتمره المقبل   إلا دليلا على تلك الضبابية والغموض اللذان يلفان موقفه من "الانتقال الديمقراطي" والذي يعتبر أساس التعاقد السياسي بين النظام والقابلين ب الإصلاح من داخل المؤسسات،والديمقراطية وكذا إنزال مفهوم "الشورى الإسلامي" كما يتبناه ذراعه الدعوي الذي يعتقد أنه نموذج متميز لتطبيق مفهوم الشورى الإسلامي على المستوى الداخلي للحركة، بل هناك من قادتها من يرى أنها أمثل نموذج على مستوى العالم الإسلامي كله، سواء في بناء الهياكل، أو في اتخاذ المواقف والقرارات، محل الديمقراطية كمفهوم كوني التي يراها الأنصاري هي قدرة سحرية خارقة على إيهام الجموع العامة، والمؤسسات أن أعضاءها قد شاركوا، وأنهم قد عبَّروا، وأنهم قد رأوا، وما هو ء في الواقع ء قد رأوا شيئا، حتى إن المشارك فيها لا يكاد يدرك أحقيقة هي أم خيال! والديمقراطية أشبه  بلعبة الخيط القمارية.

كما أن الحزب، من خلال الكثير من تصريحات أمينه العام،  يحاول تمويه المتتبعين من كون مجيئه إلى الساحة السياسية يخدم أجندة المخزن في عزل عن باقي مكونات الحركة الإسلامية. وهي في العمق تنفذ أجندة كل الحركة الإسلامية بكل تلاوينها والتي تتلخص  في إقامة الدين، بتدرج من الخاص إلى العام كالتالي:

1 -  إقامة الدين على مستوى الفرد: كفرض عين وقاعدة لما بعد من المستويات.وهنا تتكفل بها الأذرع الدعوية كالتبليغيين وسط التجار،والإصلاح والتوحيد   لدى المتعلمين،والحركة السلفية وسط الحرفيين والعاطلين…

2 - إقامة الدين على مستوى المجتمع: وذلك بالدفع بكل مؤسسات المجتمع  أن تنضبط بتشريع الإسلام انطلاقا من الأفراد القائمين عليها و تتعدى إلى علائقهم ومعاملاتهم. تتكفل به أطرالإصلاح التوحيد والعدل والإحسان وما أسلمة الإعلام العمومي إلا مدخلا  أساسيا لاسترتجيتها.

3 - إقامة الدين على مستوى الدولة:و يقصد بها أن تكون "كل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، والنظم الأساسية للمجتمع، ويضاف إلى ذلك المؤسسات والإدارات التي يتم من خلالها تصريف تلك السلطات أو تطبق تلك النظم.. صادرة عن الإسلام وملتزمة به، وأن تكون السياسات العامة للدولة متفقة مع مبادئ الإسلام والتي تكون الحاكمية العليا فيها لشرع الله.

ختاما، إن لفي الفكر كما الوطن متسع للجميع وإن كانت فكرة الوطن  مضببة وغامضة في أذهان الكثيرين من أعضاء الحركة الإسلامية فالحركة الإسلامية  مطالبة اليوم الجواب بوضوح  هل تريد  أن نتدرّج من أحكام الشريعة إلى الديمقراطيّة، أم أن نتدرّج من الديمقراطية إلى أحكام الشريعة؟ هل أرضياتهم مولّدة لنفس المحافظة الأخلاقية ونفس الإنكار للمعايير الدولية في مجال الحقوق والحريات؟

هل يمكن أن نخضع الحقوق الأساسية التي يقرّها الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان إلى القراءة المتجمدة للنصوص وبالتالي نحيي العبودية مادام أن الإسلام لم يحرمها بل أحدث لها قوانين ونصوص تنظمها،كما يجزي من استعبد إنسانا على قدم المساواة مع من يعتقه؟

هل نعيد الحياة لفقه الجواري ونستعبد المتبرجات ونمنعهن الحجاب أسوة بعمر بن الخطاب الذي لطم ونهر  جارية تحجبت؟ هل نبني اقتصادنا على مبدأ الغنيمة وتفضيل التجارة على الإجارة بعدما يفيض علينا ما غنمناه بالسبي والنهب!!؟




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة