أضيف في 30 شتنبر 2014 الساعة 16:06


روبورتاج - تارودانت مدينة الجوامع و الأسوار والساحات.. أو عندما يتكلم التاريخ فيقول: أنا هذه المدينة!



 

بقلم : اعتماد سلام 

المصدر :radioaswat

هي قطعة من التاريخ وجدت خطأ أو سقطت سهوا في الزمن الحالي, جوهرة عتيقة تحيط بها وتحميها أسوار أكثر عتاقة كما يحمي صندوق أو علبة جوهرة ثمينة, هي سليلة أرحام المرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين وصولا إلى العلويين, جوهرة سوس، مراكش الصغيرة, لؤلؤة الجنوب, سوس الأقصى.. أرض خصبة ولود معطاءة ذات الشمائل, وهي رودانة كما أسماها العرب, أو المحمدية نسبة إلى محمد الشيخ السعدي, وهي أيضا 'فالا' (بنطق حرف الفاء مثل الحرف اللاتيني V) وهو اسم أطلقه عليها الرومان, أو تارودانت كما تعرف حاليا, وتتباين القصص بخصوص أصل هذه التسمية, فهناك من يقول إنه تحريف للاسم العربي رودانة وهناك من يقول إنها اسم أمازيغي يجمع بين كلمتين: 'تاروا' و'دانت' ومعناهما الأطفال ذهبوا, والحقيقة أنك إذا ذهبت إلى تارودانت فمن الصعب أن تفارقها أو تذهب بعيدا عنها دون أن تشعر برغبة كبيرة في البقاء فيها أو العودة إليها.

المدينة هي الناس:

نقل عن شكسبير قوله إن المدينة هي الناس و في تارودانت أول ما يبعث على الإيناس و الألفة هو أناسها, ببساطتهم الطاغية و سماحتهم البادية ورفقهم الظاهر ولطفهم الكبير واستعدادهم الفطري لتقديم يد المساعدة أو للقيام بدور المرشد في مدينتهم أو حتى لمرافقتك إلى وجهتك أو ربما دعوتك بكل عفوية لاحتساء كأس شاي منعنع إذا توفر لديك الوقت.. الرودانيون يجعلون الزائر لمدينتهم لا يفكر مرتين في المرة المقبلة عندما تتاح له فرصة زيارة تارودانت يقول سائح فرنسي كان في زيارة للمدينة !

و تتنوع أصول سكان مدينة تارودانت بتنوع مشاربهم و الأماكن التي وفدوا منها على المدينة وهو أمر أشارت إليه مجموعة من الكتب التاريخية ومن بينها مقدمة ابن خلدون والمغرب عبر التاريخ لإبراهيم حركات, فتجد فيها العرب و الأمازيغ و الأسر ذات الأصول الأندلسية و الشامية وغيرها ومن بينها أسر معروفة مثل الأسر البكرية و الوجاجية والإدريسية.

الفشتالي يحتفي بالمحمدية:

تنفتح أمامك المدينة, أبوابها ساحاتها, جوامعها أسوارها و غير ذلك الكثير, من أنى شئت تأتيها, تغوص فيها, تنهل من عبقها و تكتال في حواريها رائحة الجلد والزعفران و قدم التاريخ.. نعم فالمشاء هنا يترجل في فضاءات يقاس عمرها بالقرون, يمشي وهو على يقين بأن كل زاوية أو حائط أو ساحة يصادفها نظره كانت لها قصة في الماضي.. لو تحدث التاريخ حتما سيقول أنا هذه المدينة, و قد احتفى أبو فارس عبد العزيز الفشتالي صاحب كتاب 'مناهل الصفا' و الذي كان وزيرا لدى السلطان أحمد المنصور بتارودانت أيما احتفاء وهو يصفها كالتالي: "المحمدية قاعدة بلاد سوس وأم القرى وملاك باب السودان, و ذات القصور المشيدة والأواوين الموطدة, والرياض المفوفة والأنهار المطردة والمساجد المزخرفة, والمآذن المقرطة بلآليء النجوم المسنفة".

الأسوار العظيمة: 

باب السلسلة التاريخي من بين الأبواب التي تكشف أسرار هذه المدينة أو بعضا منها, وهو باب يمنح الناظر مشهدا رائعا لجبال الأطلس الصغير يخترق الأسوار العظيمة من جهة الجنوب وقد تناثرت بجانبها باقة من أشجار الزيتون و النخيل التي تبدو سامقة تنظر إلى السماء بخشوع شديد, ويتيح هذا الموقع أيضا للناظر نظرة بانورامية على جبال الأطلس الكبير التي تصير مكسوة بالثلوج في فصل الشتاء, حينها يصبح المنظر خلابا عندما يلتقي اللون الأبيض الناصع بلون الأسوار الترابي الحميم.

 وإذا كانت الصين تفتخر بسورها العظيم فإن الرودانيين يفتخرون بأسوار مدينتهم و هي أيضا بنيت للدفاع عن المدينة وتحصينها ضد الأعداء, وتمتد على مساحة ثمانية آلاف متر تحيط بالمدينة كما يحيط السوار بالمعصم, تتخللها مجموعة من الحصون و الأبراج والأبواب وتبدو عظيمة بمعمارها ذو اللمسات المرابطية و الموحدية و المرينية قبل أن تضاف إليها لمسة السعديين الذين يسمون هنا "أبناء تارودانت".. رغم ذلك فإن السور يعاني تصدعات عبر مواقع مختلفة وتظهر حاجة ملحة لترميمه وإصلاح تشوهاته.

في مشهد آخر قد يجعلك تعقد للوهلة الأولى مقارنة بين مراكش و تارودانت ستكتشف طابور "الكوتشيات" التي يعبر سائقوها بوجه بسام عن استعدادهم للسفر بك عبر الأماكن, داخل الأسوار و خارجها, وقد لا يكلفك هذا السفر الممتع سوى سبعين درهما أو مائة درهم في حال ما إذا صادفت سائقا استعصى التفاوض معه.

القصبة التاريخية:

القصبة التاريخية هذا الفضاء الواسع والشاهد على تواريخ و أحداث فاصلة شهدتها المدينة, أسسها المرابطون لتتحول فيما بعد لحي مخزني اختار الملوك السعديون الإقامة فيه, وفي جزءه الآخر يوجد فندق السلام الشهير و الذي كان بدوره دار إمارة في الزمن الغابر, وللإشارة ففي تارودانت توجد مجموعة من الفنادق ذات الشهرة العالمية والتي يقصدها مشاهير العالم وكبار الشخصيات ومنها فنادق تستقر داخل المدينة وأخرى تستقر على أعتابها أو على مقربة منها.

ومن بين الأماكن التاريخية الأخرى الرابضة بهدوء وأنفة في قلب تارودانت, 'دار البارود العالية' التي بنيت في الحي الأندلسي وهي دار تميزت بتراث معماري باهر يعتبر سكان المدينة  أنه لا يقل روعة عن معمار دار الباهية بمدينة مراكش الحمراء !

مساجد تعانق مآذنها السماء: 

وبالإضافة إلى الحي الأندلسي الذي سمي بهذا الاسم  نسبة إلى الأندلسيين الذين قطنوه يوجد حي 'مجمع الأحباب' وهو حي عرف منذ القديم بأنشطة صناعية وتجارية مختلفة على رأسها صناعة السروج و به أيضا يوجد واحد من أجمل مساجد تارودانت وهو مسجد 'فرق الأحباب' الذي شيده السعديون قبل مئات السنين.. وللإشارة فقد أصبح الحي بأكمله يحمل اسم المسجد "حي فرق الأحباب".

مسجد آخر بلغت شهرته الآفاق منذ عانقت مئذنته عنان سماء تارودانت وهو المسجد الكبير أو الجامع الأعظم الذي بني منذ أكثر من خمسة قرون قبل أن يستيقظ سكان المدينة قبل أكثر من عام على خبر حزين يتعلق بتعرضه لحريق بسبب تماس كهربائي, و قد كان ذلك حادثا مؤلما يقول عبد اللطيف ابن الشيخ المهتم بتاريخ مدينة تارودانت, يضيف ابن الشيخ أن المسجد كان مفخرة معمارية وعلمية لأنه يعتبر بمثابة جامعة مغربية أخرى إلى جانب جامعة القرويين بفاس.

والجامع الأعظم تخرج منه كبار العلماء و فقهاء الدين و القضاة ومن بينهم أبو زيد عبد الرحمان التمنارتي و أبومهدي عيسى ابن عبد الرحمان السكتاني, يحيى ابن عبد الله الحاجي و غيرهم, كما كانت تدرس به إضافة للعلوم الدينية علوم الطب و الرياضيات و الأدب.. وفيما تتواصل أشغال البناء و التجديد بالمسجد ينتظر الرودانيون أن تفتتح قريبا أبوابه الستة في وجه المصلين و ينطلق من صومعته مجددا صوت الأذان ينادي للصلاة !

ساحات ممتدة:

عبر التاريخ عرفت المدن بساحاتها, لأن الساحات غالبا ما تختصر هذه المدن, تختزلها كما يختزل عنوان الكتاب فحوى المكتوب, وساحات تارودانت تصلح عنوانا للمدينة تأخذك إلى نبض قلبها وتجعلك أشد قربا منها, ساحة تامقلات سابقا أو ساحة النصر حاليا, وساحة واساراك سابقا أو ساحة العلويين حاليا.. ساحتان تمتزج فيهما الأصالة بالمعاصرة, التاريخ بالحداثة, عبق الماضي بسحر الحاضر, فتجد إلى جانب مقهى شعبي بسيط مطعما عصريا أنيقا, وإلى جانب مقهى حديث مطعما شعبيا متنوعا.. هنا يجد كل ضالته يقول أحد الرودانيين !

يحكي عبد اللطيف ابن الشيخ أن ساحة واسراك التي كانت تسمى في وقت من الأوقات بالساحة الصفراء أيضا كانت تنتقل منها فيالق السعديين وجيوشهم للهجوم على الأتراك والدفاع عن سواحل المغرب ووقتها كانت تارودانت مركزا للحكم ونقطة عبور رئيسة للقوافل التجارية التي تربط بين أوروبا وافريقيا يضيف ابن الشيخ الباحث والمهتم بتاريخ المدينة.

 و من بين الساحات الأخرى المتمددة تحت شمس تارودانت بدلال.. ساحة عشرين غشت التي تتوفر على نافورة مائية ساحرة يقول أهل تارودانت إنها الأكبر من نوعها في افريقيا, وساحة الحصن قرب باب الحجر وفيها أيضا توجد نافورة في غاية الجمال وتطل على ملعب "الأب جيكو" وهو شخصية رياضية معروفة وكان أول وزير للشبيبة والرياضة في عهد الحكومة المغربية الأولى بعد الإستقلال, والرودانيون فخورون للغاية بكونه من أبناء هذه المدينة.

نوادر الأسواق:

أسواق مدينة تارودانت قطعة مجتزأة من التاريخ أيضا, قيساريات قديمة, بازارات عتيقة وحوانيت ضاربة في القدم, حبلى بمنتجات الصناعات التقليدية.. منها الخرازة والدرازة والحياكة والخياطة والصياغة, هذه الأخيرة أتقنها ومهر فيها اليهود الذين قطنوا بالمدينة قبل أن يبرع فيها الرودانيون أيضا, و الملاحظ في أزقة الأسواق القديمة التي تتميز بضيقها الشديد أن الزائر أحيانا يعثر على بازار يمتد على مساحة كبيرة تضم نفائس المنتوجات ونوادر الصناعات وراء باب خشبي هرم يبدو أصغر مما هو عليه.

و لا يخفي الصانعون التقليديون بالمدينة فخرهم وهم يتحدثون عن كون تارودانت هي منبت شجر العرعار الذي ذاع صيته, مشيرين إلى أن كبريات شركات صناعة السيارات في العالم لجأت للاستعانة به من أجل تزيين وصناعة اكسسوارات السيارات الثمينة, نفس الشعور يخامر صانعي البلغة الرودانية الذين يعتبرون الجلد المصنوع في دار الدباغة بالمدينة من أجود أنواع الجلود وهو أمر كان يجعل السلاطين والملوك فيما سبق يحرصون على ضرورة طرحه للبيع أولا قبل عرض الجلود القادمة من فاس و مراكش.

و من بين أسواق تارودانت العتيقة أيضا سوق "جنان الجامع" الذي يضم أكثر من ست مئة دكان من بينها دكاكين "تدرازت" التي لم يتبقى من "لمعلمين" الذين أتقنوها سوى شيخ سبعيني كان يعمل في الرحبة القديمة معتمدا على مهاراته الشخصية قبل أن تنتبه جمعية 'أهلي' إلى ضرورة الاهتمام بهذه الحرفة و تعليمها لأجيال جديدة بإشراف من الشيخ السبعيني وفق عبد اللطيف ابن الشيخ الذي ألف كتابا تحت عنوان 'سوق جنان الجامع, بين المستجدات والموجودات'.

حقب تاريخية مهمة وفاصلة عاشتها مدينة تارودانت, أسهمت جميعها في صناعة ما هي عليه الآن, شكلت هويتها, و صنعت أماكنها وأثرت تاريخها.. وربما هي عوامل تجعلك و أنت في هذه المدينة مسكونا بمشاعر مفاجئة نحو رودانة التي سرعان ما ترتبط بك إما إعجابا أو حبا أو استلطافا أو تماهيا أو انتماء, إنها مدينة لا تسمح لك بالحياد أو الاختيار إما أن تحبها أو.. تحبها.





 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



أحمد بوكماخ. تجربة تأليف مدرسي لم تتكرر.

حوار مضحك مع القذافي

حسن الفذ و الوقفات الاحتجاجية

خطاب القذافي الذي لم يذاع

شارل شابلن

القذافي يشارك في Gaddafi in Arabs' Got Talent

تارودانت 1954

بن بلة خان الجزائر والمغرب بكدبه وأشعل نار الحرب

بدون تعليق

وثائقي، عبد الكريم الخطابي بطل التحرير