أضيف في 03 يونيو 2012 الساعة 07 : 22


بين منطق التدبير السياسي وإيديولوجيا التحريم



بين منطق التدبير السياسي وإيديولوجيا التحريم


أحمد عصيد


يعكس السلوك السياسي لحزب العدالة والتنمية ارتباكا كبيرا بالنظر إلى تواجده بين قطبين متعارضين: تحالفه الحكومي من جهة، والتزامه مع أتباعه من جهة أخرى، دون نسيان حسابات الحزب تجاه الملكية التي ما زالت تستأثر بنصيب الأسد من الصلاحيات والسلط  الفعلية في الدستور المعدّل.

فالتحالف يفرض على حزب المصباح أن يخضع لمنطق التدبير السياسي في ظل البرنامج الحكومي الذي يعكس حدود التحالف بين الأقطاب المشكّلة للحكومة، بينما تفرض عليه الإيديولوجيا الدينية التي تربطه بأتباعه وحلفائه من التيار الإسلامي، محاولة تمرير بعض الإجراءات والتدابير وفق منطق التحريم الدعوي الذي يتعارض مع منطق الحزب السياسي العصري، كما لا يتلاءم مع التوجه الديمقراطي، لأنه منطق يتعلق بمجال الاعتقاد والإيمان اللذين يخصّان الأشخاص لا المؤسسات، وقد يختلف فيهما الناس اختلافا كبيرا.

مناسبة هذا الكلام تقديم حزب المصباح لمقترح قانون للبرلمان يطالب بموجبه حظر كل أنواع الإشهار للمشروبات الكحولية، وهو مقترح يوقع الحزب في تناقض كبير، حيث لم يمرّ إلا وقت يسير على قرار الحكومة برفع الضرائب على هذه المشروبات، رفع الضرائب يعني ضمنيا في الدول الديمقراطية اعتراف بهذه المواد في سوق الاستهلاك، حيث لا وجود لمنطق التحريم الديني، وهو ما تحقق مع الحكومة المغربية التي لا يستطيع حزب المصباح داخلها انتزاع قرار حظر هذه المواد بسبب ما لذلك القرار من تبعات خطيرة، أبسطها انفتاح ورواج السوق السوداء، مع شيوع مناخ التسلط ومحاكم التفتيش ـ مناخ على العموم غير صحّي بالنسبة لبلادنا ـ وشعور بالغبن لدى فئات عريضة من المغاربة لم تتعود على المناخ الجنائزي السائد في الدول الدينية، بقدر ما ألفت نمط حياة أكثر حرية وبهجة.

وما يبدو في هذه المبادرة هو محاولة الحزب تدارك المشكل الذي وقع فيه بعد رفع الضرائب على الكحول، وهذا المشكل هو أن الحزب يمثل توجها إسلاميا يعتبر الخمر من "المحرمات"، لكنه بالمقابل يعتبر عائداتها من الأموال "حلالا" على الحكومة، بسبب استحالة المنع والحظر الذي يُعتبر لدى الإسلاميين الهدف الأسمى والبعيد، الذي يمكن بلوغه بعد تاكتيكات مرحلية.

فكيف يطالب الحزب بمنع إشهار مادة تجارية لا يمنعها القانون ؟ هل يمكن السماح بمنع مادة استهلاكية بل والزيادة في ضرائبها، ثم المطالبة بعدم إشهارها ؟ كيف يعرف الناس بوجود محلّ لبيع التبغ أو الجرائد أو الخمور ؟ بالطبع لا يعرف ذلك إلا بعلامات ظاهرة، وكذا بالإشهار في الصحف والمجلات وغير ذلك من وسائل الاتصال والإعلام. لقد عرفت بعض الدول الديمقراطية مثل هذا النقاش فيما يخصّ التبغ والسجائر، وانتهى بها الأمر إلى إقرار الإشهار مع إضافة عبارة تقول إن "الدخان مضرّ بالصحة"، وهو ما يعني الوعي بالتناقض بين السماح ببيع بضاعة ومنع إشهارها في نفس الوقت.

الواقع أن حزب المصباح منزعج من مظاهر التسامح التي تعرفها الحياة الاجتماعية المغربية، وسبب انزعاجه هو أنه يعتبر أنّ تواجده بالحكومة ينبغي أن ينتج عنه تقليص من مظاهر الحريات والمرح والإبداع الفني ومهرجانات الرقص الجماعي والغناء وغير ذلك من المشاهد المتعارضة مع المناخ الجنائزي للتديّن الوهابي المتشدّد، وإلا فإن الحزب سيفقد جزءا من كتلته الناخبة، جزءا يعتقد بأن حزب المصباح، وهو في موقع  المسؤولية الحكومة، ملزم بتطهير المغرب من مظاهر الحياة العصرية على النمط السائد في العالم الديمقراطي الحرّ، وفرض التديّن الشكلي الذي هو من أقوى مظاهر النفاق الاجتماعي في دول الاستبداد الديني، وما يزيد من أهمية هذا الجزء من الكتلة الناخبة، هو أن الحزب سيحتاج إليه في الانتخابات الجماعية التي يضعها نصب عينيه.

السؤال المطروح هو ما رأي حزب التقدم والاشتراكية اليساري، وحزب الحركة الشعبية الليبرالي المشاركين في الحكومة ؟ هل سيُصوتان لصالح مقترح قانون غارق في التناقض، أم أنهما سيعتبران مقترح "البيجيدي" اختيارا انفراديا لا يعنيهما ؟




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة