أضيف في 10 أكتوبر 2012 الساعة 03 : 00


صعوبات التأريخ المحلي بالمغرب: تاريخ تارودانت نموذجاً




صعوبات التأريخ المحلي بالمغرب:
تاريخ تارودانت نموذجاً


بقلم : نور الدين صادق تارودانت

مقدمة:

يكتسي التأريخ المحلي أهمية قصوى في عملية إعادة كتابة التاريخ الوطني، وذلك لما توفره الدراسة المونوغرافية، المحدودة في مجاليها الزماني والمكاني، من إمكانية التحري المجهري حول الأحداث والوقائع التي عاشتها المناطق والجهات المختلفة من البلاد، والكشف عن حقيقة مجرياتها، والتعمق في دراسة مختلف التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها هذه المناطق، عن طريق الاستثمار المكثف للإمكانيات الهامة التي توفرها الوثائق المحلية. وهو أمر، لا محالة، أنه سيمكن من تجاوز الأحكام الجاهزة، والتعميمات المفرطة التي تسبح فيها الدراسات التاريخية التي تتناول التاريخ العام للمغرب.

غير أن الكتابة التاريخية المحلية في المغرب، والمتعلقة بتاريخ تارودانت على وجه الخصوص، تواجهها العديد من الصعوبات والعوائق التي تجعل الإقدام على اقتحام مجالها أحيانا من قبيل المغامرة. وسنتطرق من خلال هذا العرض إلى جانب هام من هذه الصعوبات، والمتعلق أساسا بمسألة ندرة المعلومات الواردة حول مدينة تارودانت في مختلف المصادر التاريخية التقليدية. وذلك بالرغم من أهمية الأدوار الطلائعية التي لعبتها هذه المدينة في تاريخ المغرب، سواء قبل الفتح الإسلامي أو بعده، هذه الأدوار التي لم يبق منها غير صدى باهت تناقلته الأجيال المتعاقبة عبر العصور. فما هي الأسباب الكامنة وراء عزوف المؤرخين عن تدوين أخبار تارودانت؟ وهل هنالك ثمة مصادر تاريخية بديلة تمكّن من اختراق هذا الصمت المطبق؟ وما هي الصعوبات التي يطرحها استثمار هذه المصادر البديلة بدورها؟

ندرة المعلومات التاريخية المتعلقة بتارودانت، وأسبابها:


تجدر الإشارة بدءاً إلى أن مشكل ندرة المعلومات المتعلقة بتاريخ تارودانت يتخذ مظهرين أساسيين: يتمثل أولهما في قلة المصادر التي اهتمت بتسجيل أخبار هذه المدينة، وحتى عندما يتطرق بعضها إلى الحديث عن تارودانت، فإن هذا الحديث يضل عارضا وبعيدا كل البعد عن الدقة والتفصيل، وهو ما يمثل المظهر الثاني لهذا المشكل. يبقى أن نشير إلى أن مسألة ندرة المعلومات التاريخية عن تارودانت لا يرتبط بفترة تاريخية محددة، بل يطبع تاريخ المدينة القديم منه والوسيط والحديث، مع استثناء القرن السادس عشر، الذي جرت خلاله أقلام المؤرخين على ذكر المدينة والإفاضة في وصف مآثرها، حتى جعلها بعضهم أرقى وأفضل حواضر المغرب. ولعلنا نجد في حفاظ السعديين على أواصر جد متينة مع أولى عواصمهم، ومنبت دولتهم ما يفسر هذا الاستثناء. وفيما عدا هذه المرحلة فإن ندرة المعلومات التاريخية تبقى قائمة، مُرخية بظلالها على تاريخ المدينة، مع اختلاف في الأسباب الكامنة وراءها من فترة تاريخية لأخرى.

أسباب ندرة المعلومات المتعلقة بتاريخ تارودانت القديم:


يقول الأستاذ أحمد بزيد أثناء حديثه عن تأسيس تارودانت : »  وعلى الرغم مما شهدته هذه المدينة من نشاط إنساني وقامت به من أدوار ذات أهمية كبيرة في المنطقة... فقد ظلت مجهولة الذكر في مصادر التاريخ القديم، بسبب ما أصاب أطوارها من انطماس واندراس، لا يعرف معه شيء إلا ما تناقلته ألسنة الأجيال...«. يقودنا هذا القول إلى طرح الصعوبات المتعلقة بتاريخ تارودانت القديم، والمتمثلة في مشكل رئيسي هو عدم توفر أية معلومات تاريخية مدققة عن هذه الفترة. ويرجع السبب في ذلك إلى عوامل عديدة يمكن إجمالها فيما يلي:

عدم انتشار الكتابة، خلال العصور القديمة، بشمال إفريقيا على نطاق واسع، وذلك لأن الاحتلال الروماني أجهض تطور تجربة المماليك الأمازيغية القائمة، مما حال دون تطور نظمها الإدارية والجبائية التي قد تكون مدعاة لانتشار الكتابة.

إذا كانت هذه المرحلة قد شهدت بالفعل استعمال حروف تيفيناغ، وإن على نطاق ضيق، فإن هذه الحروف سرعان ما تم إهمالها لأسباب عقائدية ترتبط بانتشار الدين الإسلامي ومعه اللغة العربية، مع الموقع المركزي الذي احتلته هذه الأخيرة بالمنطقة لأسباب سياسية وإدارية، وكذا باعتبارها لغة مقدسة.

ورغم أن تاريخ المغرب الإسلامي قد لقي اهتماما من طرف المؤرخين المسلمين، فإن هؤلاء أهملوا تتبع أخبار المنطقة في الفترة السابقة على الفتح باعتبارها فترة شرك وجاهلية مذمومة، وكذا لما قد يثيره الحديث عن هذه الفترة من حساسيات من شأنها أن تهدد رابطة "الأخوة الدينية" التي انبنت عليها علاقات العرب الفاتحين بالشعوب المفتوحة.

لقد أدت العوامل السابقة إلى غياب مطلق للتدوين التاريخي عن هذه المرحلة من تاريخ المغرب عموما وتاريخ تارودانت على وجه الخصوص، سواء بالأمازيغية أو بالعربية. باستثناء ما ورد في كتب النسابة من معلومات عن أصول القبائل الأمازيغية وتحركاتها، وهي معلومات لا يمكن الركون إليها بالنظر للدوافع المتحكمة فيها، فضلا عن طبيعتها التي تبتعد كل البعد عن منطق الكتابة التاريخية الحقّة.

وإذا كان المؤرخون قد اعتادوا اللجوء إلى المصادر الأجنبية لاستقاء بعض ما ورد فيها من أخبار المنطقة قبل الفتح الإسلامي، وخصوصا بعض الكتابات القرطاجية أوالرومانية، فإن تارودانت ظلت خارج دائرة أضواء هذه الكتابات بدورها. فالقرطاجيون اهتموا أساسا بالمراكز والمدن الساحلية في إطار نشاطهم التجاري البحري، في حين أهملوا المناطق الداخلية كحالة تارودانت، في حين تركز اهتمام المؤرخين الرومان أساسا على المناطق الخاضعة لنفوذهم المباشر الذي لم يتجاوز "خط الليمس"، نظرا لضراوة المقاومة الأمازيغية ، وبما أن تارودانت ظلت بعيدة عن دائرة الاحتلال الروماني، فإنها ظلت كذلك بعيدة عن اهتمام المؤرخين الرومان.

ويبقى الغياب المطلق للبحث الأركيولوجي بالمنطقة، والذي بإمكانه أن يعوض غياب الوثائق والنصوص المكتوبة- خاصة لفك طلاسم بعض القضايا الحاسمة في تاريخ تارودانت كمسألة الموقع وتاريخ التأسيس... يشكل عائقا جوهريا أمام تطور البحث في تاريخ المدينة، ويحول دون تكوين تصور علمي عن مرحلة التاريخ القديم بها.

استمرار مشكل ندرة المعلومات في تاريخ تارودانت الوسيط والحديث:

لم يكن حظ تارودانت في تواريخ العصرين الوسيط والحديث، أحسن كثيرا مما كان عليه في العصور السابقة، ورغم أن اسم المدينة بدأ يتخلل كتابات مؤرخي هذين العصرين، فإن الحديث عنها كان يتم عرضا لا غرضا، وما أبعد الحديث العارض عن استيفاء التفاصيل، وترتيب الوقائع، وتفسير الأحداث... لقد ظلت المعلومات الواردة عن تارودانت في كتابات المؤرخين التقليديين المغاربة -إضافة إلى تقطعها واختصارها اللذين تقتضيهما الاختيارات المنهجية- مطبوعة بنوع من الانتقاء الشديد لما ينبغي ذكره أو ما يجب التغاضي عنه من أخبارها، وهو انتقاء لا يجد مبرره إلا في المواقف السياسية والمذهبية لهؤلاء المؤرخين من التطورات التي عرفتها المدينة عبر تاريخ الطويل. ومن تم كان صخب الأحداث التي عاشتها تارودانت غالبا ما يترجم إلى صمت مطبق في كتابات المؤرخين، وهو ما خلق لدينا تناقضا صارخا بين حقيقة الدور الذي لعبته المدينة في تاريخ المغرب الإسلامي من جهة، والحيز الذي تحتله في كتابات المؤرخين من جهة ثانية. ويمكنا إجمال العوامل المسببة في هذه الوضعية كالآتي :

العـوامل المنهجية:

ترتبط هذه العوامل بنظرة المؤرخ المغربي التقليدي لعملية التأريخ، فهو لا يهتم إلاّ بتحركات الشخصيات "الرئيسية" التي يعتبرها صانعة للأحداث وفاعلة فيها، فيكتب تاريخه متتبعا هذه التحركات. ومن ثم فإننا نجد هذا المؤرخ في نهاية المطاف لا يكتب سوى تاريخ شخصيات نافذة، وسلالات حاكمة، وعواصم متعاقبة. كما أن اهتمامه بتعقب الأحداث السياسية البارزة يبعده عن الالتفات للوقائع الاقتصادية والاجتماعية، والوقوف عندها بما يكفي من الدقة والتمعن. وبما أن تلك الشخصيات عادة ما تستقر بالعواصم، فإن هذه الأخيرة تستأثر في الأغلب الأعم باهتمام المؤرخ، الذي عادة ما لا يعير انتباهه للمناطق البعيدة عن المركز(العاصمة) إلا من خلال ما تمليه تحركات شخصياته "الفاعلة" على مسرح البلاد، ولا يؤرخ لها إلا من خلال "حركة" لردع تمرد قبلي أو لاستخلاص الجبايات... وهكذا ظلت تارودانت بعيدة عن أن تسترعي اهتمام المؤرخين الذي ظل موجها أساسا نحو مراكش وفاس...

الصـراع المذهبي:

عاشت تارودانت في القرون الأولى التي أعقبت الفتح الإسلامي صراعات مذهبية حادة، نتيجة لما عرفته من انتشار مذاهب إسلامية ثائرة ومعادية لمذهب الدولة السني الرسمي.

فاعتنقت في بداية أمرها مذهب الخوارج الذين ثاروا على الحكم الأموي، وقد أشار الأستاذ أحمد بزيد إلى ذلك بقوله: » دخل عبد الأعلى بن جريح، وهو من قادة الثورة الخارجية بسوس، تارودانت على إسماعيل بن عبد الله فقتله، ودفع ذلك الناس إلى التمرد ضد الأمويين، فوضع بذلك حدا لفساد ولاتهم وظلمهم واستبدادهم وذلك سنة: 121هـ/739م) «

ولم تلبث تارودانت بعد ذلك أن عرفت انتشار المذهب الشيعي حيث » أدى انشغال برغواطة بمحاربة المنصور بن أبي عامر، على ما يبدو، إلى تراجع نفوذهم في سوس، لتبقى حاضرته (تارودانت) ما بين: 341 و 364هـ مجالا ممهدا للنفوذ الشيعي وظهور النحلة البجلية بمباركة الفاطميين.«

لقد جرت عادة المؤرخين الرسميين -الذين كانوا سنيين طبعا على مذهب الدولة التي يعيشون في كنفها- على النفور من الحديث عن أهل المذاهب الثورية المعارضة، ومن تم لا تدخل عندهم المناطق الخاضعة لهؤلاء حيز التاريخ إلا في حالات الضرورة القصوى، مع ما يرافق ذلك من تشويه للوقائع يعكس الطابع المذهبي لرواياتهم. وقد تنبه الأستاذ بزيد إلى هذا الأمر، أثناء استقصائه لأخبار تارودانت خلال العصر الوسيط، فأثبت بصدده: » وبعد هذه الفترة ستبقى تارودات مجهولة الأحوال بالرغم من تعدد المراجع، واضطراب أخبارها في ظل المذهب البجلي فقد أمدتنا هذه المراجع برواية واحدة متعددة الصيغ، تجمع كلها على الإيجاز مما يؤكد طابعها المذهبي «.

الصراعات السياسية :

عاشت تارودانت عبر تاريخها عددا من الصراعات السياسية، كانت غالبا ما تنتهي بحروب طاحنة تسببت في اندثار العديد من المآثر العمرانية للمدينة، وانطماس الكثير من أخبارها ووقائعها. ويمكننا أن نسرد كمثال على هذه الصراعات والثورات والحروب:

ما عاشته المدينة، أثناء الصراع المرابطي/الموحدي، من حروب طاحنة امتدت فيما بين: 528 و 535هـ وهو تاريخ دخول الموحدين إليها بصفة نهائية. لكن انطلاقا من هذه السنة الأخيرة وإلى حدود سنة: 541هـ سيلف الغموض من جديد أخبار تارودانت بسبب ثورة القبائل السوسية على الخليفة الموحدي عبد المؤمن بن علي.

وإن استثبت الأمور بعد ذلك للموحدين، فإن حكمهم للمدينة لم يطبعه استقرار دائم، حيث عرفت تارودانت في عهدهم اندلاع خمس ثورات كانت أشهرها ثورة علي بن يدر الزكندري الهنتاتي.

وقد أكد الحسن الوزان استقلال المدينة عن الحكم المركزي أواخر عهد المرينيين، كما وصف نظام حكمها الخاص

وإذا كانت تارودانت قد عرفت استقرارا وازدهارا واضحين خلال عهد السعديين، فإنها ما لبثت أن عادت إلى الثورة والانفصال أواخر هذا العهد تحت إمرة الشيخ أبي زكرياء يحيى الحاحي. وهي نفس الوضعية التي عاشتها في صدر الدولة العلوية من خلال ثورات الأمراء العلويين التي كانت اشهرها ثورة الأمير محمد العالم ضد أبيه السلطان المولى إسماعيل.

لقد خلف كل من هذه الصراعات خرابا شاملا ودمارا منتشرا، مع ما كان يصحب تلك الأوضاع عادة من انعدام للأمن والاستقرار وانقطاع السبل، مما يتسبب في انقطاع أخبار المدينة عن العواصم الكبرى حيث يستقر المؤرخون الرسميون عادة. أضف إلى ذلك الارتباط العضوي لهؤلاء بالبلاطات السلطانية، الذي يجعلهم يتحاشون ذكر أخبار الثوار والمنتفضين، وحتى عندما يشيرون إليها، فإن إشاراتهم هذه عادة ما تكون محملة بجملة من الأحكام القيمية التي تطبعها ذاتية هؤلاء المؤرخين، وتوجهها المواقف الرسمية لأولياء نعمتهم من هذه الأحداث.

أسباب نفسية سيكولوجية:

وتتلخص في تلك العادة التي جرى عليها السوسيون من عدم الاهتمام بجمع أخبارهم وكتابة تاريخهم، وهو أمر تنبه إليه كل من حاول اقتحام هذا المجال والاضطلاع بهذه المهمة الصعبة، كالعلامة المرحوم محمد المختار السوسي، ومن قبله القاضي أبو زيد عبد الرحمان التمنارتي الذي صرح بذلك قائلا: » وهذا الفن ( التاريخ) لم أر له في بلادنا السوسية- مع تقادم الأجيال وتوافر الرجال- ذاكرا، ولا سمع لي من خلفهم من رسم في سلف أفاضلهم أولا ولا آخرا، مع كونها مشحونة- في القديم والحديث- بأهل الفضل والدين... فلم يكن في ذلك سابق أقتدي به، ولا ملفي ( كذا) أرتاح في الفحص عنهم إلى كتابه. « .

هذه، إذن، جملة من العوامل والأسباب الكامنة وراء ندرة المعلومات التاريخية عن ماضي تارودانت في المصادر التاريخية المغربية التقليدية، هذه المصادر التي تأكد أنها لا تفي بمبتغى الباحث المتخصص، الذي يسعى جاهدا لإعادة تشكيل صورة أكثر علمية، وأكثر وضوحا عن تاريخ هذه المدينة. لكن هل يكفي التمترس وراء هذه العوائق الموضوعية لتبرير استمرار الجيل الجديد من الباحثين من أبناء المدينة في عدم الاضطلاع بمهام البحث في تاريخ مدينتهم، ومحاولة إماطة ذلك الستار الكثيف من الغموض والالتباس الذي يلفه؟ أليست هنالك ثمة مصادر بديلة بإمكانها أن تعوض نقص المعلومات المهول الذي تعاني منه المصنفات التاريخية؟ وإن وجدت، فما هي الصعوبات المنهجية التي تعتري التعامل معها واستثمارها بشكل جيد؟

المصادر البديلة وصعوبات التعامل معها:

لاشك أن هناك ثمة مصادر عديدة تزخر بسيل من المعلومات التاريخية الهامة حول تاريخ تارودانت – كما هو الشأن بالنسبة لمناطق أخرى من المغرب- رغم أن الهدف الذي صنفت من أجله لم يكن دائما هو التأريخ. وإذا جرت العادة على اللجوء إلى المصادر التاريخية الصرفة أولا، فإن تطور البحث التاريخي ببلادنا، وانفتاحه على أنواع جديدة من الوثائق الهامة التي ظلت مهملة إلى وقت قريب، من شأنه أن يغني هذا البحث ويفتح أمامه آفاقا رحبة ظلت تعوقه عن ارتيادها محدودية إمكانيات المصادر التقليدية.

المقيـدات:

لا ريب أن خزانات تارودانت، وسوس بصفة عامة، لا تزال تختزن العديد من نفائس المقيدات التي لا زالت أيدي الباحثين لم تعرف إليها سبيلا، ولعل الاكتشافات التي حصلت في هذا المجال تؤكد ذلك. وإذا كان السوسيون قد أهملوا كتابة تاريخهم بشكل ممنهج ومنظم، فإن ذلك لم يمنعهم من كتابة قصاصات وأوراق ضمنوها بعض الأحداث والوقائع التي أثارتهم أو تلك التي لم يكونوا راضين عنها...كما ضمنوها معلومات هامة عن أسعار الحبوب والمواد الغذائية الأساسية، والتقلبات التي تطرأ عليها أو على المناخ... لكن أول صعوبة يطرحها هذا النوع من الوثائق هو صعوبة الحصول عليها، فهي غالبا ما تكون مختلطة مع ما ترثه الأسر من رسوم الملكية وغيرها، مما يجعل مالكيها متحفظين في شأن عرضها على ذوي الاختصاص، ويزيد من استفحال هذا الأمر جهل أغلب المالكين بالقيمة النفعية العامة لمثل هذه الوثائق.

وحتى عندما يتم الحصول على هذا الصنف من المصادر، فإن التعامل معها يطرح صعوبات منهجية تتمثل في جنوح مؤلفيها -الذين هم معايشون بل وأحيانا مشاركون في الأحداث التي يروونها- إلى الرمز والاختزال في ذكر الأحداث وأسماء الأعلام والأماكن، إما تقية أو لكونها معلومة لديهم بحكم التداول، مما يجعل المسافة الزمنية الفاصلة بيننا وبينهم تحجب عنا كثيرا من المعلومات الفائقة الأهمية، وتتطلب من الباحث معرفة دقيقة بطبيعة المرحلة التاريخية التي كتبوا عنها، وجهدا كبيرا في التأويل والمقارنة حتى ينفذ إلى عمقها، مع أنها عمليات لا تخلوا من مخاطر الانزلاق.

كتب النوازل:

تزايد الاهتمام بها حديثا كمصدر هام للتاريخ الاقتصادي والاجتماعي، وذلك لما تعكسه من معلومات عن دقائق حياة المجتمع المادية والروحية من خلال الأسئلة الموجهة للفقهاء قصد الإفتاء فيها طبقا لما يقتضيه الشرع الإسلامي. لكن التعامل معها، خاصة عند التأريخ لفترة قصيرة، يطرح عددا من الصعوبات المنهجية تأتي في مقدمتها صعوبة الحصر الزماني والمكاني للمعلومات والأحداث، مما يؤثر على قيمتها التاريخية ويجعلها في الغالب تسوق معلومات عامة وفضفاضة.

كتب التراجم والوفيات:

رغم كونها تدخل في السياق العام للعمل التأريخي، وتتضمن -في الغالب- معلومات مدققة زمانيا ومكانيا عن المترجمين من أهل العلم والصلاح وعصرهم، فإنها تقتصر على وصف أنشطتهم الدينية من علم، وصلاح، وكرامات ... في حين يغفل مؤلفوها - متعمدين– التطرق للأنشطة الدنيوية لهؤلاء المترجمين، ومواقفهم السياسية... وذلك لأسباب سياسية لخصها ديل إيكلمان بقوله: » ويرجع سبب ذلك إلى أن الصلحاء كانوا يمثلون تهديدا قويا لنفوذ المخزن وسلطته، وبما أن معظم المؤرخين الإخباريين كانوا يعيشون في كنف السلطان ويعتمدون كلية في معاشهم على ما ينعم به عليهم، فإنه من باب الحذر بالنسبة لهم التغاضي عن المسألة برمتها.«.

الرواية الشفوية:


ما من شك في أن الأحداث الكبرى التي تطبع كيان ووجدان الشعوب تظل محفورة في ذاكرتها، تتناقلها الأجيال ويصلنا صداها رغم صمت المصادر التاريخية عنها وإغفالها. ومن ثم فإن الرواية الشفوية قد تمدنا بمعلومات قيمة ونادرة، إلا أن التعامل معها واستثمارها في البحث التاريخي تعترضه صعوبات كثيرة على مستوى التعامل المنهجي، فبعد الفترة الزمنية، وتعدد الرواة، والجهل بمصادر الخبر، تؤدي كلها إلى تحريف الأحداث والتقليل من أهميتها التاريخية. ويصبح الأمر أكثر استعصاء إذا أخذنا بعين الاعتبار كون أغلب الشخصيات الفاعلة في تاريخ تارودانت، وسوس بصفة عامة، من العلماء والصلحاء الذين تختلط في أخبارهم العناصر التاريخية بالخوارق والخرافات، خاصة عند الحديث عن كراماتهم وهو أمر لم تسلم منه حتى كتابات بعض العلماء - بحكم طبيعة العقلية السائدة آنذاك – كالتمنارتي في (الفوائد الجمة)، واليوسي في (المحاضرات) .

خـلاصة:


إن الوقوف عند الصعوبات التي يطرحها استثمار الوثائق في إطار التأريخ المحلي لتارودانت على وجه الخصوص – ولمختلف المناطق المغربية بصفة عامة- ليس الهدف منه إثناء العزائم أو تثبيط الهمم، وإنما لكون الوعي بهذه الصعوبات يعتبر مرحلة ضرورية، وضرورة منهجية على سبيل تجاوزها أو التخفيف من انعكاساتها السلبية على الأقل. وهو أمر لن يتحقق – في نظرنا – إلا بتوفر بعض الشروط الضرورية التي بإمكانها أن تساهم في تطور البحث في التاريخ المحلي لتارودانت، وفي إيصال نتائجه إلى عموم الباحثين وجمهور القراء المتعطشين، وهي شروط نجمل بعضها فيما يلي:

ضرورة تكثيف الجهود للبحث عن وثائق تاريخية جديدة، نعتقد جازمين أن العديد منها لا يزال حبيس رفوف مكتبات خاصة بالمدينة ومحيطها التاريخي، وهي مهمة تشترك في تحمل مسؤوليتها، إضافة إلى الباحثين، مؤسسات رسمية كمندوبيات وزارة الشؤون الثقافية، والخزانات العامة، ومراكز التوثيق، و الجامعات... لأن من شأن هذه العملية أن تساهم في إعادة رسم أحداث طواها النسيان، وتصحيح كثير من الأخطاء التاريخية والأحكام الشائعة...

العودة إلى الوثائق المتوفرة وإعادة قراءتها قراءة جديدة، وهو ما قد يتيح فرصة الخروج بمعلومات جديدة، عبر ممارسة نقد داخلي وخارجي على هذه الوثائق التي سبق استعمالها. وقد برهنت لنا محاولة قراءة ما كتب عن ثورة الشيخ يحيى الحاحي بشكل جديد، عن أهمية وجدوى هذا العمل.

الاهتمام بالدراسات المنوغرافية، لما تتيحه من إمكانيات التحكم في موضوع البحث ومجاله الجغرافي والزمني، ومن إمكانيات للاحتكاك بالوثائق المحلية قصد تعميق البحث التاريخي.

تضافر جهود عدد من الباحثين من تخصصات علمية متنوعة، قصد الإحاطة بجوانب الظواهر التاريخية المدروسة، وربطها بالتطورات الاقتصادية والاجتماعية العامة التي أفرزتها، حتى تبقى إمكانية الربط بين التواريخ المحلية ميسرة لعملية إعادة كتابة التاريخ الوطني، وحتى لا تنزلق هذه التواريخ نحو الانغلاق بدعوى البحث عن الخصوصية.

توحيد جهود الباحثين والمهتمين في إطار جمعيات تهتم بمجال النشر والتوزيع، وتبحث في مسألة التغلب على مشاكل التمويل، التي عادة ما تحول دون وصول أبحاث تاريخية جيدة إلى جمهور القراء، وهي نتيجة طبيعية لاستمرار إهمال السياسات الرسمية لمجال دعم البحث والتأليف والنشر خاصة في المناطق "الهامشية" التي لا تتوفر بها أدنى البنيات في هذا المجال ( مطابع، دور النشر...).


مصادر ومراجع البحث

أحمد بزيد الكنساني، تاريخ تارودانت في العصر الوسيط حتى القرن الثامن الهجري، منشورات نادي الغد الأدبي، تارودانت 1999 .

أحمد بن خالد الناصري، الإستقصا، تحقيق وتعليق: جعفر ومحمد الناصري، دار الكتاب، الدار البيضاء 1997.

الحسن بن محمد الوزان الفاسي (ليون الإفريقي)، وصف إفريقيا، ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر، ط:2، دار الغرب الإسلامي، بيروت1983 .

ديل إيكلمان، الإسلام في المغرب، ترجمة: محمد أعفيف، دار توبقال للنشر، ج:1، ط: 1، 1989.

عبد الرحمن التمنارتي (أبو زيد)، الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة، مخطوط.

عبد العزيز الفشتالي (أبو فارس)، مناهل الصفا في أخبار الملوك الشرفاء، تحقيق عبد الله كنون، مطبعة المهدية 1964.

عبد اللطيف الشادلي، الحركة العياشية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء،1982 .

محمد المنوني، إمارة بني يدر بسوس، مجلة دراسات تصدرها كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير، ع:1، 1987.

نور الدين صادق، تارودانت فيما بين:( 1068-1073هـ/1658-1662م) من خلال مقيدات محمد بن عبد الرحمن التلمساني ( ابن الوقاد )، ط:1، تارودانت 1998.  




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



تـارودانت عبر التـاريـخ

تارودانت: صفحات من تاريخ المقاومة والعمل الوطني( 1912 – 1956)

متحف لذاكرة تارودانت.. ضرورة آنية

طبيب الحسن الثاني من مدينة طاطا يروي عشق الملك الراحل للعلاج بالوخز بالإبر

معركة أيت باها من مقاومة الاحتلال إلى مقاومة النسيان (تقرير أشغال اليوم الدراسي الثاني حول معركة أيت باها)

مالا تعرفه عن إبراهيم الروداني، ابن قرية ايت علا إكطاي جماعة بونرار قيادة تزمورت دائرة تارودانت

صناعة السكر في تازمورت وأولاد مسعود وأولاد تايمة، هذا المنتوج الذي صنع ذات يوم أمجاد المغرب

أكادير تأمل ان تحتفي بقصبة اكادير أوفلا على شاكلة الدراجة الهوائية

تزنيت : زاوية سيدي وكاك بأكلو أول مدرسة عتيقة بالمغرب والنواة الأولى لانطلاق الدولة المرابطية

هذا أحلك ما في التاريخ الأوروبي! الموت الأسود ومحاكم التفتيش أولها