• الأحد 22 أكتوبر 2017
  • المدير العام : شاطر حسن
  • مدير النشر: كمال العود
  • فريق العمل

تابعنا على الفايسبوك

أشترك معنا بالقائمة البريدية



أضيف في 11 أكتوبر 2017 الساعة 20:31


بويزمارن.. الحي الحسني بتارودانت


بقلم - علي هرماس

حديث مع الصورة
 

الحي الحسني هو التسمية الادارية التي تسجل بالوثائق الرسمية للأشخاض الذاتيين خاصة بطاقة الهوية الوطنية وشهادة السكن وعنوان البريد، أما التسمية الرودانية المتداولة على الألسن جيلا بعد جيل فهي "بويزمارن"، أحيانا الاسم العلم يكون مقرونا بحرف نون أو بدونها بما انه ممنوع من الصرف، أما أصل التسمية فنجد تفسيرها في علة السببية التي تعني في علم الاجتماع أكثر من غيره، ان لكل ظاهرة سبباً أو علة ، فما من حدث إلا كان لوقوعه أصل و ما من شيء الا كان لوجوده سبب ومبدأ يفسر وجوده .

أصل الحي الحسني أرض فلاحية جرداء كان مالكها يستغلها محجزا لرعي غنمه، من هنا جاءت التسمية بصيغة منطوق اللسان الأمازيغي "بويزمارن" على غرار عدد من الأسماء العلمية والأماكنية بتارودانت، أشهرها قدما بوتريالت/أبي القفة، وتسوكت غزفن/الممر الضيق وأسراك/البارح الفسيح وأكافي/مكان تفرع الساقية الى مصارف ودرب اسمكان/العبيد تحول لدرب العفو... ازيمْر بالأمازيغية هو الكبش ويجمع على ازمّارْن أي الأكباش أو الغنم، و بويزمّارن تعني صاحب الغنم، انشغل ببعض أعماله الفلاحية ولم يؤدي فريضة الصلاة واكتفى بالقضاء خارج الوقت، وللتكفير جبرا للشعور بالذنب العظيم، قرر وهب الملك المعني صدقة جارية يسري عليه حكم الوقف الحبسي الاسلامي.

هذا التصرف يعتبر منهجا سلوكيا للكفارة عن دنب عظيم خاصة التخلف عن صلاة الجمعة، سار العمل به في تارودانت مند غابر العصور، وهو ما يفسر كثرة الأوقاف الثابتة بتارودانت من العقارات الفلاحية والتجارية، والأوقاف المنقولة التي لم يعد لها وجود كنوبات السقي أو نصيب مفروض من الغلل الفلاحية الموسمية، نصف أو ثلث أو ربع شجرة أو فدان هكذا كان يوثق عدليا ويفهم منه الغلة الموسمية، زمن كانت تارودانت واحة نخيل وغابة زيتون.

الملك كان يطلق في تارودانت على العقار الفلاحي الذي تتجاوز مساحته الهكتار، ويكون قياسه بخطوة رجل متوسط القامة معتدل الربع من أصحاب المعرفة وتدقيق البصر والملك غالبا بوري خارج السور، أما الفدان فهو ما دون الهكتار مساحة، يكون مسقي بانتظام وينقسم الى نوعين: الصنف الأول يسمى جنان خاص بشجر الزيتون والخضر والبقوليات ومختلف الأعشاب المنسمة والعطرية، فيما الصنف الثاني يسمى العرصة خاصة بالورديات والفواكه الخريفية كالسفرجل واللقيم وأصناف البرتقال والحامض والليم والأترج والتفاح البلدي والرمان السفري والموز والثمر... أما الفواكه الصيفية خاصة العنب والتين والاجاص/بوعويد والمشمش والخوخ ، وقد ينسب الجنان الى مالكه أو شجرة تميزه، نذكر جنان الزنبوحة ببنيارة وجنان العنب بباب ترغونت وجنان المشماشة بالخرايجات...

ملك بوزمارن يتوفر على نوبة سقي حبسية خاصة به يستمدها من ساقية تافلاكت، يتفرد بنوبتين متتاليتين للسقي من عصر يوم السبت الى عصر يوم الاحد ، يوم السبت يتم توقيف جريان كافة المصاريف المائية المتفرعة ساقية تفلاكت لفائدته، مما يجعله يستفيد من أضخم صبيب وأطول حصة مائية للسقي المتجمعة من المصارف المتفرعة عن ساقية تافلاكت، وبما أن الأمر يتعلق بعقار حبسي تابت/الملك ومستفاده المنقول/الماء، ظل لعهود حتى سنوات متأخرة المرحوم الحاج ميلود الراموق/لجوهري هو الذي ينتزع لنفسه من أجل فلاحته، السمسرة السنوية لمياه السقي الخاصة بنوبة ملك بزمارن، وهو المزاد العلني الذي تقيمه نظارة أحباس تارودانت في مقرها القديم داخل صماط الحدادين/مدرسة الجوالقية ثم مقرها الجديد بتالمقلات بعد فتح الطريق الجديدة ما بين صماط البلايغية وساحة تلمقلات/مقر المقاطعة الأولى. هناك يُجرى المزاد العلني لسمسرة المياه الحبسية، يفوز به المرحوم ميلود الراموق الذي يقدم بمفرده أعلى سقف لثمن الكراء في مواجهة جماعة فلاحي قبيلة هوارة التي يصل جريان تافلاكت الى نفودها بعد قطع مسافة 20 كلم، فيُحوّل أسبوعيا مياه بويزمارن/تافلاكت لضيعته بمنطقة الحومر، بينما بوزمارن الملك يسلمه للغير على وجه شراكة المساقاة والمزارعة وهي دفع شجر لمن يسقيه ويتعهده مقابل جزء معلوم من ثمره، كالنخل، والرمان والتين وما اشتهر عند أهل تارودانت وقتئذ، أما المزارعة فهي دفع أرض لمن يزرعها بجزء معلوم مما يخرج منها بعد استيفاء نصيب الفقراء والمساكين، غير أن ملك بويزمارن لا يشمل شيء من كل ما ذكر عدى بضع شجر زيتون/الفردي أي منفردة هنا وهناك، ونمط الاستغلال يسري على جزء منه فقط يخضع للعرف المحلي، بما أنه يدخل في نظام نوبة السقي من ماء جماعة أهل تافلاكت يضبط ترتيبه شخص أو هم أشخاص يلقبون محليا "أمزال".

ملك "بويزمارن" غير مستوي، من جهة الجنوب يبدوا هابطا ويمكن ملاحظة ذلك الى الآن بالنسبة للقادم من طريق حومة تفلاكت أمام منزل المرحوم الحاج أحمد ايليلو/جناح، بينما من جهة الشمال حيث مجرى ساقية تافلاكت التي يتفرع منها مصرفه المائي نحو الجنوب، مرتفع ويمكن تسجيل الملاحظة قبالة مسكن المرحوم أكساب خليفة ومحمد ليشير؛ هذا ما حتم على ملك "بويزمارن" أن اكتفي مالكه بحرثه ومرعى لغنمه ولم يقم بغرسه وسار على نهجه من أتوا من بعده اللهم ما كان من بعض القسمات /البحيرات للفلاحة الوقتية.

من بين الذين حرثوا ملك بويزمارن عدد من الأشخاص توفوا الى رحمة الله نذكر منهم وجان، وأبا عبد السلام تامزيط  كان يقطن بدرب أشقوف، و أبا أحمد الحلوفي الروداني، وابا محمد عنيني كان يقطن بدرب الزمالة، ثم العربي دياب من حومة تفلاكت، ثم حميدو ولد المعطي والد أستاذنا الجليل الحاج محمد كسرير، الأخير-الأب- قام تجربة كانت الأولى من نوعها بتارودانت، اختص بها ملك بويزمارن دون بقية العرصات والجنانات داخل سور المدينة، وهي زراعة البطيخ الأحمر/دلاح، وصادف موسما معطاء فاضت معه البحيرة بخيرها، "هبلت بالولدا" حسب المصطلح الفلاحي الروداني القديم؛ من بعد المعطي كسرير جاء محمد عبوني- متعه الله بالصحة- الذي زرع ملك بويزمارن باليقطين الأحمر/الكرعة، وكانت أول صفقة بيع فجر الاستقلال لمقتصد المعهد الاسلامي المرحوم كاشكرا الذي جعل من "قب" جلبابه خزينة سيولة الأداء جملة نقدا حالا.

أما عن حدود ملك "بويزمارن" وأسماء الملاكين المحيطين به، الى الجنوب فدان آل/ايت عبوني منه قسمة وهبتها وقفا حبسيا احدى السيدات من نفس العائلة-تقبل الله منها- ونصيبها هو الذي شيد عليه الحمام والمستودع الملاصق به، وامتد ملك هذه العائلة غربا الى حدود ملك عائلة كوغزفن. من الغرب جنان كوغزفن، بعضه وَضعت الدولة عليه اليد لشق الطريق الحالي أمام المستوصف والمدرسة، وما تبقى من ملك كوغزفن أضيف لملك الدولة "لادومين" وشيد فوقهما المستوصف أولا ثم مدرسة الوفاق لاحقا، وانتقلنا من تالمقلات للدراسة بها كأول فوج افتتاح سنة 1976-1977 ،وهي ثامن مدرسة بتارودانت مند 1922، ستة منها شيدت فوق أراضي حبسية؛ دائما الى الغرب بعد جنان كوغزفن جنان سي محمد أيت الفقيه. من الشمال جنان سيدة تدعى تالبَياط، نصف بستانها هو الآخر وضعت الدولة عليه اليد وأضيف لبويزمارن الحي، باقي الواجهة الشمالية المجرى القديم لساقية تفلاكت ؛ أخيرا حدود بويزمارن من الشرق، نجد مجموعة أفدنة منها فدان الملقب الحلوفي، وابا ابراهيم نايت الحسين والد محمد العربي الممرض ، ثم أرض لشخص يسمى العبدي كان يلقب "كواي لحمير" رقعة ورثها من زوجته التي آلت اليها من جنان مولاي عبد المالك، ثم جنان آخر ملكية قدور ولد المعطي كسرير، أخيرا جنان ابا العربي الدياب.

1962 شهدت تارودانت موجهة أمطار مسترسلة بدون انفراج دامت أربعين يوما نهارها بليلها ، ومن زاد قائلا انها 48 يوما، لم تشهد تارودانت مثيلا لها مند عهد الدولة السعدية، أي ثلاثة قرون ونصف تقريبا، وهو ما وثقه التمنارتي في كتاب الفوائد الجمة ص 384-385 ط 1999 يقول:" ثم أرسل الله المطر الهائل فهجم الوادي الوعر على المدينة من جبل درن (الأطلس الكبير)، فخرق لها خرقا من سورها من المحائطة بين سور القصبة وسور البلد، فانصب من حفير القصبة (مجرى ساقية تاملالت) حتى امتلأ ففاض بعبابه على المدينة فهدم معظم أسواقها ودورها ومساجدها وهلك بذلك من الأموال والأمتعة والأقوات، ولو دخل بالليل لعظم به الهلاك".

في مثل هذه الأحوال الطبيعية والأوضاع الاجتماعية، جرت العادة أن يبحث الناس عن علة تفسير ومشجب تأويل يسند اليه الحدث، كما في الواقعة الأولى التي أرخها التمنارتي على أنها عقاب من الله لعباده بعدما أقدم أحدهم على اغراق بستانه بالماء فتهدم المسجد الملاصق به وضمه للحقل، غير ان الحالة الطبيعية الحالية التي شهدتها تارودانت استرسلت عبر الزمن بالليل والنهار لم يجد معها السكان غير الاحتماء وترقب الأسوأ، فانشغل تفكيرهم بتدبر حالهم عن البحث لتأويل الكارثة التي ألمت بهم.

اذن التاريخ يعيد نفسه بعد ثلاثة قرون ونصف، تهدم عدد كبير من الدور السكنية بتارودانت، وما لم ينهد ويخر هاويا تضرر بشكل كبير أضحى معه يشكل خطرا محدقا على قاطنيه وجيرانه على السواء، لأن الدور السكنية بتارودانت جميعها مبنية باللبن الطيني المدكوك، فيكون الجدار المحيط مشتركا بين الجيران، فيما الغرف الداخلية للمسكن يتم الفصل بينها بطوب القالب (أمقدار) أو آجور الفخار. أكثر ما تضرر نتيجة هذه الأمطار الكارثية فنادق تارودانت التي كانت تقارب 20 فندقا تشكل ما يسمى حاليا السوق الكبير 5 منها بمحاذاة اسراك أوراغ ،هذه الفنادق تشمل غرفا سفلية لتخزين السلع وفوقها غرف علوية يبيت بها الحمالة الذين كانوا يلقبون "عشور القبائل" وهم أشخاص تقطعت بهم السبل بعدما طردوا من قبائلهم لسبب ما.

لجأ أصحاب الدور السكنية المتهدمة للاحتماء بالمساجد بمعية  عائلاتهم، وبعدما طال أمد تلبد السماء بغيوم دكناء وماء منهمر ودخل الجو المطير أسبوعه الثالث، التحق بهم الهاربون من دورهم خوفا أن تخر الجدران وتنهد السقوف فوق الرؤوس والناس نيام؛ نصبت خيام الجيش بساحة المحايطة قبالة مكتب البريد مكان المسجد الحالي؛ لا المساجد على كثرتها بتارودانت، 32 مسجدا سنة 1966 بذكر الفقيه محمد بن عبد الله الروداني في كتاب ايليغ قديما وحديثا، ولا الخيام العريضة للجيش تمكنت من استيعاب الكثافة السكانية الرودانية المنكوبة، لتتم الاستعانة بمراقد ثكنة اللفيف الأجنبي بحومة القصبة (قشلة لاليجو) أمام محكمة قضاء الأسرة حاليا، وجهة نظر مخالفة تقول أن قاطني الخيام بالمحايطة بعدما طال بهم المقام في ظروف قاسية ايواء واطعاما، اقتصرت على مد المنكوبين بالغطاء "فرصادة" والخبز وبعض الخضر ليتدبروا أمر معاشهم والحال فصل الشتاء ، ما خلف تدمرا استياء بين الناس، فثم نقلهم للثكنة؛ الملجأ الثالث الذي تم اللجوء اليه وان على مستوى محدود، هو مقر بعض الزوايا الطرقية أخص بالذكر مقر الزاوية القادرية التي يدير شؤونها بمقتضى ظهير المرحوم محمد هرماس، وكان أول مقدم زاوية يبادر لإيواء عدد من المنكوبين  بمقر الزاوية القادرية مساهمة في عملية التضامن الجماعي غذاء وايواء وغطاء، اثر النكبة الطبيعية الثانية في تاريخ تارودانت.

تعد تارودانت واحدة من المدن المغربية القلائل التي تشكل البنية العقارية وجها استثنائيا في طبيعة الملكية، فكان طبيعيا أن تقام مشاريع الدولة فوق أراضي تابعة للدولة أو الأحباس الى الآن، وقد تدفع ضرورة المنفعة العامة آنذاك لوضع اليد على بعض من ملك الخواص المجاور، مع التأكيد هنا على صيغة "وضع اليد" لأن صاحب الملك لا يستشار بل لا يخبر وبالتالي لا يعوض لأسباب ليس مقام بسطها هنا، وهو حال ملك عقاري فلاحي لوالدنا – رحمة الله عليه- شق فيه الطريق الحالي من قنطرة وادي سوس نحو الضيعة الفلاحية صوديا/السجن الفلاحي حاليا، وهو مآل فدان كوغزفن لشق الطريق الحالية قبالة المستوصف، وهو حال فدان تلبياط لتوسعة حي "بويزمارن" من الجهة الشمالية، جميع هذه التدخلات وغيرها آنذاك، استغلت لأجلها كارثة الأمطار الطوفانية التي شهدتها تارودانت شتاء 1962.

1964 "بويزمارن" هو أول حي عصري نموذجي شيد بالاسمنت في تارودانت، يقول أبا محمد عبوني من قاطني الحي– اطال الله في عمره- "في ذاك التاريخ لا يوجد بتارودانت ولو (بريكة) واحدة، ولو مسكن واحد  فيه الاسمنت، جميع الدور السكنية وما سرى على شاكلتها من مساجد وحوانيت وصابات مبنية بالتراب وسقوف "أضرصيص"/الأشقاف"؛ حفرت أساسات عظيمة على شكل خنادق ذات طويل وعرض وعمق يقارب وقفة رجل ، شُدّت أدرع القوالب gabarits ، أفرغ داخلها الرمل الخشن النقي و"الكياس" المغسول المختار بعناية ومقاس عينة شبيه "الكونكاسور" حاليا، يضاف للخليط الاسمنت، مواد البناء هذه كانت تجلب من الواد الوعر  لقربه من الجبل وورش العمل، عكس وادي سوس طول مسافته وبعد منبعه يغديه عدد من الأودية الفرعية والسهوب البورية تكون محملة بالطمي والأتربة؛ ما جعل الأفضلية لجلب مواد البناء من الوادي الوعر لجودتها ونقاءها وتنوع عينة "الكياس" من حجم العدس أو الذرة وصولا لحجم الفول وكلما عمقت الحفر تصادف عينات أكبر حتى تصل لأحجار بحجم الليمون أو الرمان الذي أصبح استخدم لاحقا بعد عقد من الزمن، نسجل وصف مواد البناء بلسان وعقلية فلاح وهو الراوي سي محمد عبوني.

قام ببناء حي بويزمارن مقاولان، الأول شلح مسلم والثاني يهودي مغربي، الأخير قدم من مدينة أخرى ما يطرح التساؤل، لماذا لم تسلم الصفقة ليهودي مقاول بناء هو الروداني سيمون بن شطريت ، كان يملك محل تجاري جوار درب التونسي قبالة شارع 20 غشت المفضي لمكتب البريد المدينة، اليوم اقول سلم الله أن سيمون بن شطريت لم تكن الصفقة من نصيبه، لكونه تكلف بصفقة سابقة سنة 1950 وهي ترميم المسجد الجامع الكبير، وارتكب في الترميم جريمة تاريخية في الهندسة المدنية ، باستعمال الاسمنت والحديد لسقوف الجامع الكبير، ولم تظهر فداحة الخطأ في هذا الترميم الا بعد 63 سنة وكارثة 7 ماي 2013 التي ألمت بالمعلمة التاريخية الرودانية. ذكر لي يوم 25 شتنبر2017 حول مائدة غداء بمطعم جنان السوسية مع المهندس المعماري السيد العمراني صاحب شركة العمراني التي رممت المسجد مؤخرا- بالمناسبة حضر لتارودانت لتسليم المشروع لنظارة الأوقاف- أن ألسنة اللهب بطبيعتها تتجه الى الأعلى، لكنها صادفت والحالة هذه سقف الاسمنت، فسارت أفقيا تلهم السقف الخشبي  مقطعا تلو الاخر، وكان بالإمكان لو لم يدخل الاسمنت في الترميم،  أن يأتي الحريق على نسبة ضئيلة جدا من السقف يتضرر ويسقط، بعدها يجد الحريق متنفسا عموديا يسلكه ويتوقف عنده، ويسلم بذلك باقي السقف الخشبي ومعه بقية المسجد التاريخي.

استنادا لقول شاهد عيان الذي تتبع مراحل بناء دور بويزمارن من الأساسات التي وضعها اليهودي والشلح سنة 1962، قال أبا محمد عبوني مؤكدا واثقا، أن تلك الأشغال التي نفدها الشريكان تسمح ببناء عمارات طبق عن طبق وليس دور سفلية فقط، كان آجور الاسمنت يجلب من مدينة اكادير بالشاحنات، وبمجرد وصولها تفرغ برفع الحمولة دون أن تهشم آجورة واحدة، ليعود السائق أدراجه مسرعا لجلب حمولة أخرى، ونفس القول يسري على أعمدة الحديد الأفقية والعمودية والسقوف وخرسانة الاسمنت؛ ارتباط سكان تارودانت على اختلاف مراتبهم الاجتماعية بأشغالهم اليومية الحرفية أوالفلاحية، حتم على المقاولان اليهودي والشلح  جلب عمال مياومون بسحنة سوداء من زاكورة، رجالا زادهم الله بسطة في الجسم بالطول والقوة، بعض الأماكن/المساحات من ملك بويزمارن تم ردمها بما يقارب المتر ونصف الى مترين كي تصبح الأرض مستوية خاصة بالجهة الجنوبية التي كان انحدارها بيّن، لتكون بذلك قاعدة الدور موحدة بمجموع الحي. عند تمام البناء، حضرت شاحنة محملة بأبواب عداد الكهرباء والماء، وشاحنتان محملتان بالأبواب الخشبية السميكة للدور، الباب الأول لغرفة داخلية والثاني لمدخل الدار، فيما باقي المساحة مكشوفة حتى يتسنى للمستفيد تقسيمها بحسب رغبته وأفراد عائلته.

بمدخل الحي الجديد بويزمارن، غرست أعمدة طويلة تعلوها الأعلام الوطنية، ومدت بينها في السماء خيوط المرفرفات المربعة باللون الأحمر والأخضر، بالطرف الجنوبي من حي بويزمارن بالساحة الحالية نصبت منصة عظيمة، حيث ما وليت البصر، يقع النظر على أناس بلباس أنيق فخم  وعناصر الجيش، بينما سكان تارودانت هبوا لمدخل المدينة "فم البيرو" الباشوية القديمة ومحاذاة سور القصبة ، عدد من الشباب اختصروا المسار عبر الجنان، ذكر لي أستاذنا سي محمد كسرير وهو منهم :"في هذا التاريخ ما بين جنان عوري/العرعوري بتفلاكت وجنان تلامتي المحادي لبويزمارن وباب الخميس كل هذه المساحة عبارة عن جنانات وخلجان ومروج لا توجد بها ولو بناية واحدة ".  

اعتلى الشاب المولى الحسن – هكذا كان يسمى- المنصة الشرفية ببويزمارن واصطف الناس بنظام وانتظام أمتار معدودة قريبا منها، ثم شرعوا يتقدمون الواحد تلو الآخر للصعود والسلام على المولى الحسن ليتسلموا من يده الكريمة المسكوكة المعدنية بها المفتاح  منقوش عليها رقم الدار porte-clef، بعدها يهبط المستفيد مباشرة مهرولا للبحث عن رقم الدار؛ حي بويزمارن به 15 تجمع سكني Bloc، أصغر تجمع به 3 منازل، أكبر تجمع به 15 منزلا، مساحة كل منزل 80 م² تقريبا حسب افادة زميلنا الحاج فؤاد بيروك من أبناء الحي؛ دخل الناس للبيوت وأتموا عملية البناء واعتمروا الدور وهم في غفلة نائمون يحسبونها هبة ممنوحة لهم ، الى أن أصبحوا مثل الذي "ينظر للسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا"؛ بعد 10 سنوات من السكن بالاعتمار المتواصل أي 1974، توصل سكان بويزمارن بإشعار يخبرهم بضرورة أداء واجب الكراء بخزينة اكادير لفائدة الدولة قدره 10 دراهم للشهر باثر رجعي، أي 120 درهما عن كل سنة ،ما يعني تراكم ديون قدرها 1200درهما، أضطر معها عدد من القاطنين لتفويت الدور بالتنازل مقابل 1000درهم و700 درهم و500 درهم حسب مساحة وموقع الدار، بل ذكر لي الحاج كسرير مقابل 3 قوالب سكر، ولازال سكان الحي يناضلون ويطالبون بحقهم بتفويت الملكية بعد طول سكن واعتمار متصل.

شرف كبير لساكنة الحي ويحق لهم الاعتزاز بذلك، كون بويزمارن يعتبر أول حي عصري نموذجي في تاريخ  تارودانت، شرف لساكنة بويزمارن/الحي الحسني أنها تعد المرة الوحيدة التي دخل المرحوم الحسن الثاني مدينة تارودانت من أجل حيهم ولفائدتهم، افتخار شرفي لساكنة بويزمارن كون رئيس دولة أوربية لها وزنها في السياسة العالمية واعتبارها الدولي هو الرئيس الفرنسي جاك شيراك، قام بزيارة خاصة للحي من أجل عيادة صديق له، ليس الاّ واحدا من سكان بويزمارن، حي بويزمارن في فترة التهميش أنجب مهندس وطبيبين وخبير الحسابات والمراقبة المالية واستاذ قدوة في التربية وهواية الكرة، جيل بأكمله ليس بينهم منحرف واحد، تحية لساكنة بويزمارن الحاليين خاصة شباب هذا الحي، الذين ابانوا مؤخرا على مستوى وعي حضاري، من خلال الأنشطة الجمعوية والتأطير التربوي، اثمرت ثقافة بيئية بمحاذاة المنازل وفوق الرصيف وبالساحات ودحرت بذلك 40 سنة من الاستكانة والتهميش. 

كل زمن وتارودانت بشبابها بألف خير

 





 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



صعوبات التأريخ المحلي بالمغرب: تاريخ تارودانت نموذجاً

تـارودانت عبر التـاريـخ

تارودانت: صفحات من تاريخ المقاومة والعمل الوطني( 1912 – 1956)

متحف لذاكرة تارودانت.. ضرورة آنية

طبيب الحسن الثاني من مدينة طاطا يروي عشق الملك الراحل للعلاج بالوخز بالإبر

معركة أيت باها من مقاومة الاحتلال إلى مقاومة النسيان (تقرير أشغال اليوم الدراسي الثاني حول معركة أيت باها)

مالا تعرفه عن إبراهيم الروداني، ابن قرية ايت علا إكطاي جماعة بونرار قيادة تزمورت دائرة تارودانت

صناعة السكر في تازمورت وأولاد مسعود وأولاد تايمة، هذا المنتوج الذي صنع ذات يوم أمجاد المغرب

أكادير تأمل ان تحتفي بقصبة اكادير أوفلا على شاكلة الدراجة الهوائية

تزنيت : زاوية سيدي وكاك بأكلو أول مدرسة عتيقة بالمغرب والنواة الأولى لانطلاق الدولة المرابطية