• السبت 25 نوفمبر 2017
  • المدير العام : شاطر حسن
  • مدير النشر: كمال العود
  • فريق العمل

تابعنا على الفايسبوك

أشترك معنا بالقائمة البريدية



أضيف في 23 أكتوبر 2017 الساعة 19:17


رقصة الانوثة...


بقلم - أمل مسعود

كلما ضاقت الحياة بنرجس، كانت تسرع إلى معبدها الصغير، كما كان يحلو لها أن تسميه، حيث الأرضية والجدران كانت مزينة بزرابي صوفية بربرية بألوان زاهية كمتحف أثري.

غالبا ما تجلس والكتاب يعانق يدها، فوق قطعة الأثاث الوحيدة بالغرفة. وهي عبارة عن أريكة من خشب الآرو الطبيعي والمغلفة بجلد ناعم. و لكنها مصممة كذلك لتحتوي على مكتبة صغيرة على جنباتها بالإضافة إلى صينية صغيرة تضع فوقها عادة قطع الكيك مع كوب من قهوتها التركية المنسمة بالقرفة والقرنفل .

عندما رأت نرجس الأريكة في الصيف الماضي، في معرض الأثاث الذي يقام كل عام بمدينة طنجة، بشمال المغرب، لم تتمالك نفسها. فاستلقت عليها أمام دهشة البائع الذي ظل يحدق فيها. " ممنوع الجلوس" مكتوبة بعناية فوقها. و لكنها لم تكترث للتحذير. غمرتها نشوة عندما غطس جسدها النحيل فوق الأريكة. شعرت بأنها مصنوعة على مقاس جسدها ومنحوتة على أوتار أحاسيسها. في تلك اللحظة، الأريكة بالضبط ما كانت تحتاجه لتنتشي برقصة الروح. أخرجت دفتر الشيكات، ووقعت بدون تردد على مبلغ يعادل أجرتها لشهرين.

يناير هذا العام بارد جدا. و لكن نرجس لم تكترث للصقيع. فغضبها متأجج. فاكتفت بوشاح عريض من الكشمير وضعته فوق كتفيها و تركته يتدلى على جنبات الأريكة. كانت تحاول أن تبدو متماسكة و ألا تجهش بالبكاء. تكره البكاء. لأنها تعتقد أنه بداية الانهيار، انهيارها. 

حاولت مرارا أن تركز على الكتاب بيدها. بدون جدوى. أغلقته وهي تضغط عليه بيديها الصغيرتين الناعمتين. سافرت عينيها في رسمة الغلاف. صورة سريالية لامرأة  بتنورة قصيرة وكعب عالي، معلقة في منتصف سلم خشبي مهترئ. لا تستطيع الهبوط لأن بسطة درجة اتلف أثناء تسلقها. ولا جدوى من مواصلة الصعود لأن السلم لا يوصل إلى شيء. 

صورة الغلاف أزعجتها. فرمت بالكتاب بعيدا. لا بد أنه ممل و كئيب. لا تعرف ماذا دهاها عندما اقتنته. أغواها عنوانه " رقصة الانوثة". اعتقدت أنه سيروي حكاوي مغرية و ملتهبة. لم يخطر ببالها أنه سيكون سرياليا ليخبرها بأنه لا جدوى من الحياة والصمود. لا تستطيع أن تفهم بعض الروائيين. يكتبون مائتي صفحة ليقنعوك بأن الحياة لا طائل منها. هؤلاء ليسوا بكتاب. إنهم  مرضى ومجرمون حياة.

نرجس كانت تحب الحياة كثيرا.. أكثر من البيتزا.. من الملابس الباهظة.. من أحذية الكعب العالي... من صخب الحفلات الراقصة.. من معارض الفن الراقي..من الموسيقى الكلاسيكية.. من القبلات المسروقة.. من رقصة الفالس.. من فن العيطة الشعبي.. من كتاب راقي.. من رائحة البحر الهائج.. من طيور النورس عندما تحلق مجتمعة.. من رائحة القهوة القوية.. من عطر شانيل..

فإذا كان العالم مذكر فإن الحياة أنثى. فما فائدة العالم بل الكون بأسره بدون حياة تحتويه وتمنحه معنى؟ لهذا لم تكن تستسغ الأدب المتشائم المتحامل على الحياة، لأنها كانت ترى بأنه أدب متحامل على الأنوثة كذلك.

ونرجس عاشقة للأنوثة. لأنوثتها. وتشكر الله لأنه خلقها أنثى ووهبها الرقة والدعة.. تشكر الله وهي تسرح شعرها المتموج كل صباح.. تشكر الله وهي هائمة في خزانة ملابسها.. تشكر الله عندما ترسم شفتيها بأحمر شفاه .. وأثناء وضع الكحل  وأحمر الخدود..

ولكنها كانت حزينة اليوم والحزن مذكر والفرحة أنثى. طغت صورة الغلاف على مخيلتها رغما عنها، وهامت في اللاجدوى. كيف ستصبح حياتنا عندما ستسقط في بئر اللاجدوى؟ لا جدوى من الصعود ولا جدوى من الهبوط، لا جدوى من الاستمرار ولا جدوى من الوقوف، لا جدوى من الكلام ولا جدوى من الصمت، لا جدوى من الحب ولا جدوى من الكراهية، لا جدوى من المقاومة ولا جدوى من الاستسلام، لا جدوى من الشعب ولا جدوى من الحكام، لا جدوى في الموت ولا جدوى من الحياة ...

ولأن الموت مذكر والحياة أنثى، ابتسمت نرجس من جديد. وتذكرت بأن القلب مذكر والعقل مذكر ولكن الروح أنثى.

 




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

منتخب الأوهام

الوصاية الدينية والدولة

ماذا تريدون أيها المغاربة؟

المشروع الإسلامي والمشروع العلماني أو الدين ضد الإنسان

تشويه فن الكوميديا عبر الإعلام المغربي والسير به نحو الانحطاط