أضيف في 15 أبريل 2018 الساعة 01:17


مول الحانوت: ضِفْدَعُ المِيَّاهِ الأُخْرَى!!


بقلم - الطيب آيت أباه من تمارة

يَتداولُ الآمازيغ منذ الأزل الضّارب بجذوره في أعماق تاريخ المغرب مَثَلا مَأثورا، على غرار ما تزخرُ به رواية كَليلة ودِمنة مِن دُرَر. بَطلُ المَثل ضفدعٌ أسطوريّ، حَصل أن وَقع في شِراك صيّادٍ من فصيلة "الأفْكانْ"، فقرّر هذا الأخير بعد معاينة الطّريدة، غَطسَها في إناءِ "تاكْدُورْتْ" مَملوءٍ عن آخره بخيرات "الأكَال"، ثُمّ وَضع الخليط على نار هادئة، وجلس القُرفصاء، يُراقب الضّفدع وهو يسبحُ مزهوّا وسط الخُضروات، وما هيّ إلّا دقائقٌ معدوداتٍ، حتّى بدأ الّلهيب يتراقص حول ميدان الطّبخ، رافعا بالتّالي من حماس الضّفدع، الذي إنتقل بالإيقاع مِن "الصّلُو" الهادِئ إلى "الرّوكْ" الصّاخب! وهوّ يصرخ ويصيح مُوَلْوِلاً مِن قساوة الإندماج: "أمَانْ يَاضْنِينْ آيادْ".. "أمَانْ يَاضْنِينْ آيَادْ"..

فِعلا، فقد كانت المِياهُ مِياهاً أخرى، ولم يكن الإندماج مع أوضاعٍ شبيهةٍ بالتّحوُّل التّدريجي مِن الإسترخاء العَصَبي إلى الإستنفار العَضلي بالشّيء الهَيّن، فالمُقارنة أقربُ ما تكون من نكتة ديكِ "جامع الْفْنَا"، الذي اشتهر بالرّقص بَطلا، لا مُرغما فوق صفيحٍ ساخن!! ولعلّ المُتتبّع لمجريات قطاع تجارة القُرب، عندما يضعُ نُصب أعيُنه، ما قد لا نبالغ إذا ما عَرَّفْنَاه على أنّه "غِيرَةٌ شادّة"، سيلاحظ أن "النّضال" الذي كان مُقتَصَرا على الذّكور، بفعل هَيمَنةٍ هُرمونيّةٍ جَرى ترسيخ خُشونتها في الأذهان لقرونٍ نَمَطيّة خَلَت، قد تَمَّ تأنيثُه اليوم بدليل إستعارةِ أشباهِ الرّجالٍ لكَيْد النّساء، تفاعلا مع قاعدةِ "لا إجتهادَ مع الْقَصّ"!! في تَجَنّ صارخ على أخلاقيّات المنافسة الشّريفة، حتّى وَلوْ تعلّق الأمر في أبهى حماقاته بأدبيّات الولائم والعزائم، وعلى رأسها البندُ الشّهير: "لّلي كْلَا حقُّو، يغمّض عِينِيهْ"!!

إنّ ما وقع للضّفدع الذي عَبَّر بخالصِ الإنتشاء، وهو يسبحُ واهما وسط ما لذّ وطاب من خُضروات أصلُها وَإيّاهُ وجبَةٌ تُطهَى. لا يعدو أن يكون مُجرّد سردٍ لفصول وليمةٍ بَطلها شطيرةُ لحم، لا فرقَ بينها وبين مول الحانوت، الكائنُ التّجاري الذي استمرّ طبخُه لفتراة طويلة في وعاء الدّكان منذ أوّل قفزة أمَل، نَطّ على إثرها من تمازيرت إلى قاع المدينة، راغبا في حياة أفضل. فلم يكن المَبلغُ إلا سجنا تسير نهايتُه بشكل تْرَاجيدي، بثَبات وتُؤَدَة نحو نفس مصير الضّفدع المحشُوّ بما التَهمَ من مُكوّنات الطّبخة!!

لا أفهمُ سرّ تحذير أسلافنا مِن التّباهي بقوّة الأَخْوال ورَبط الإفراط فيه بكلّ مَعاول الهدم النّشيطة في مشاريع تحطيم الهِمَم، ونحن نُدرك حقيقةً مؤلمة، تتجلّى في هَدِّ كلّ محاولات البناء القائمة لرصّ الصّفوف، وقد أصابَ مَن أنشَدَها "الصّدمَة كانتْ قْوِيّة"! أكان ذلك صُدفة، أم عن سابق إصرار وتَرصّد، خصوصا وأنّ كلّ التّوقُّعات التي قد تخطرُ على بال، ما كانت لتَكترثَ بما مِن شأنه أن يُعيد الُّلحمة إلى سابق طبيعتها. فالجميع إلّا مَن رحمَ ربّك منشغلون كالصيّاد، بما تؤول إليه الولائم، وقليلٌ مَن إنتبهوا أنّ دَورهم آتٍ لا محالةَ ضمن ضفادع التّجارب!!

يُوشك مول الحانوت على الخَلاص، كُلّما تَكوّنت في الأفُق غمامةٌ تُبشّر بغيث قريب، ويتكرّرُ الأمل مُثقلا بخيبات مُبحرين ضاقَتْ بهم فضاءات الحريّة الشّاسعة. ليس لأنّنا لم نَتَوَفّق يوما في القفز من الأصل إلى الحَاجة، ولكنّ ربّما، لأنّنا إستأنَسْنا بحرارة المَاعون، وقد دَبّت في أجسادنا. وَرُوّيدا رُوّيدا صِرنا إلى ما صَار إليه الباذنجان! وما عادَ لنا مِن مفرّ، إلّا أن نَرضى بمصير ضفدعٍ يرقصُ تحت أنظار صائدٍ جَوْعان!! بالنّهاية، ألَمْ نَختَزِل مُجمَل تُراثنا في رَقصات الأحواش؟

الطيب آيت أباه من تمارة




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة