أضيف في 27 يوليوز 2018 الساعة 02:13


كرة القدم (2)...


بقلم : يطو لمغاري

كرة القدم: روسيا الفيفا كوب دي موند  2018.منح تنظيم كأس العالم لدولة روسيا،الخارجة للتو من النظام الاشتراكي، بعد تفكك الإتحاد السوفياتي، تبرجزت ودخلت عالم الرأسمالية من أبوابه الواسعة. وخلال ثلاثة عقود فقط نسيت الإشتراكية، وأصبحت واجهة للملكيات الفردية والمنافسة، سوقا للبيع والشراء، حائطا للإشهار، والبحث عن الربح واستغلال البشر. بعيدا عن فلسفة ماركس التي كافح العمال بثورتهم من أجل تطبيقها، والداعية إلى إسقاط الطبقية الاجتماعية. ظهرت روسيا، كالفتاة الطيعة التي قلمت الماما أمريكا أظافرها، ومشطت شعرها، سقتها كأس فودكا معتقة، رقّصتها "على سنكة عشرة، وعل الوحدة ونص " كما يقول إخواننا المصريون، ونقّطتها بالدولار والأورو، والروبل، وغنت لها بلسان سوري: شو هالجمال، شو هالقوام، شوهالقد، شوهالبياض الحليبي الصافي ؟، ثم أمرتها بأن تسمع الكلام، تنصاع لأوامرها، لتنال حصتها من الكعكة العالمية لرأس الأفعى، لرأس المال أقصد.

بسرعة تلقفتها البورجوازية العالمية وأدخلتها إلى معسكرها، عملا بالمثل القائل " يجب أن تطرق الحديد،عندما يكون حاميا "، " اضرب الحديد ما حدو سخون " نقول نحن المغاربة. روسيا عنوان الثورة البلشفية للاشتراكية الماركسية. بلد لينين، بوشكين وتولستوي، أصبحت ساحة خلفية تتبارى فيها الشركات العالمية لاستغلال الكادحين واعتصار البشر. روسيا اليوم قطعة ثلج تذوب بين أصابع أصحاب الدولار، قطعة شوكلاطة تذوب في أفواه السكارى والمخمورين.

كرة القدم: وسيلة التسلية المهمة، وصاحبة الشعبية الأكبر في عالم اليوم. مع توالي السنوات تزداد شهرة، وتحتكر كل مناحي الحياة: السياسة والاقتصاد والاجتماع. أصبحت وسيلة تجارية مربحة، تستخدم لإلهاء الشعوب وخداعها، هي أفيون الشعوب، تفجر الفرح، تمتص الغضب، تهدئ من روع الجماهير، تنشر التهدئة الكروية، تماما كما التهدئة العسكرية، التي شنتها الإمبريالية الأوربية خلال القرن العشرين، على الدول المستعمرة، في آسيا وإفريقيا، المغرب نموذجا. الكرة، دوارة رقاصة، ساحرة جذابة، قتالة غدارة، صيادة  قناصة، هدافة صوابة، ترميك في الشباك، شباك الفيفا وصيفة الرأسمالية في عالم الرياضة. لكنها، الكرة، سريعة العطب تمزقت غير ما مرة أمام أعين العالم، مغشوشة فاسدة، وتتحكم في عالم يطاله العطب، يستهلك صناعة فاسدة تفسدالجسد والفكروالأخلاق.

كرة القدم: عدم في عدم في عدم، هي المخدر الأفيون، النشوة الخمرة، السكرة السكتة،الرقصة الحضرة، المنوم الذي يترك الغول نائما فينا، كما تقول الكاتبة زهرة زيراوي في روايتها الفردوس البعيد: "... أليست قوتهم – الأثرياء – في ملاحقة المواطن، وإضعافه لأنه الغول النائم في اعتقادهم، فكلما خدروه كلما كان ذلك الضامن للكرسي. ".
الاحتفال بكرة القدم، يرفعك إلى عالم الأحلام، تحلم بالنجومية، بالبريق بالذهب بالأسهم، بالأرصدة بالدولار.تحقق أحلامك حينما تصبح ميسي أو رونالدو العالم، إن هؤلاء فلتات من صنع الرأسمالية، ودورها في صناعة النجوم، لتشغل العالم وتشتت انتباه الجماهير المسحوقة. هؤلاء الأبطال يستغلون في الترويج لسوق المال، حيث أن مداخيلهم من ملايين الدولارات، تصرف عند عتبات أسرة الجنس، وعلى طاولات القمار، والخمور والحفلات، والليالي الحمراء في الملاهي الليلية، مجون في مجون في مجون، مايأتي من فراغ يصرف في فراغ. أو كما يقول المثل " فلوس الريح، يديها الريح ".


كرة القدم: الكرة والتحيز، ما أثار انتباهي تحيز المعلق الرياضي - من أصول إفريقية – للفرق الكبيرة التي خرجت من المنافسة، حيث أعلن غير ما مرة أسفه على خروج الكبار: البرازيل، الأرجنتين إنجلترا، ألمانيا، يعلق والدموع تترقرق في مقلتيه، بأنها الخسارة إذا لم تصل هذه الفرق إلى الكأس. كما تحيز العالم للإنسان الأبيض، وأعلن اقتناعه بأنه البطل والأفضل، وبأن غيره من من سكان العالم المتخلف، مصيره البؤس والفقر والجهل والعيش في عالم العفن، عالم المتخلى عنه،  عالم المتلاشيات والأنقاض والإنهيار، حيث الجوع والمرض والخواء والجفاف والتلوث. بينما الإنسان الأبيض يعمر يجدد، يلمع يعلمن يرقمن، يطور ينمق، يعلي يشيد، يفوز وينجح.

كرة القدم: العلامات التجارية، إستغلال اللاعبين تجاريا، لاعبون تمت فبركتهم في إطار منظومة صناعة النجم، التي تركز عليها الرأسمالية العالمية.

كما يستغلون فنيا كلوحة متحركة تستخدم لتشتيت الوعي الجمعي والفردي. اللاعب وموضة الوشم، الوشم دق على الجلد بالوخز المبرح، وكأني بالمستسلم لتشريح الإبر، ينتقم لعشق ما غادر، يكوي الكبد، يمزق القلب، يفتت الأوصال. آه من تيه الإنسان، يذوب في المتاهة الكبيرة، يجري بلا بوصلة. الإنسان في الألفية الثالثة من زمن العولمة: التيه، جلد الذات، الجراح الاستسلام، اللعب واللهو، الميوعة وطغيان الشهوات .

كرة القدم: الألوان الزاهية التي استخدمت في احتفالية كأس العالم: الأصفر البراق الأزرق الملكي الأحمرالأرجواني. تحمل رسالة قصيرة، تدل شيفرتها على أن الماما أمريكا، الحرباء الملونة، ستغادر قريبا إلى عالم النجوم، للعيش في الفضاء الخارجي، حيث البريق والجمال،، وتترك الأرض غارقة في التلوث، الفيضان، ذوبان الجليد، إرتفاع حرارة الأرض، واشتعال الجحيم السفلي. الأرض التي أصبحت قطعة من متلاشيات الصناعة الأمريكية، الكوكب المتخلى عنه، صارت التفاحة المقضومة الفاسدة، تجمعت حولها جحافل الناموس والذباب، التفاحة الهاربة من جنة الملائكة، إلى جحيم الشياطين.

الماما أمريكا، الأم مصاصة الدماء  تتخلى عنا، نلوذ بتلابيبها، تلوح بنا ، نتساقط كالبراغيث ينفضها الكلب عن رأسه. نعم، إن أسوأ ما في أمريكا قوتها، " لقد جرى ابتلاع الأحلام في الاقتصاد والسياسة وفي الثقافة أيضا... الفقراء يمتلكون الجوع والأقدام الحافية، والبغاء الرخيص، والجهل وشمة الحشيش، ألا يكفيهم ذلك ؟. أما الأثرياء فيمتلكون البورصات، العبيد والنساء والتفاهة. "، من رواية  "الفردوس البعيد " للكاتبة المغربية زهرة زيراوي.

كرة القدم: المرأة والكرة، أنا مثلا، يعز علي أن أضيع 90 دقيقة، من عمر الزمن، أمام التلفاز أتابع قطعة مطاط تدحرجها الأرجل، تذكرني بدحرجة كرة الأرض، الأم المعطاء، بين أرجل البورجوازية العالمية، لحل أزمات الرأسمالية المتعفنة. 90 دقيقة، عدا الفارق بين الشوطين، وبعدها التعاليق والتحليلات الرياضية. والفارق بين الشوطين تحشوه القنوات الفضائية، بالعشرات من الوصلات الإشهارية، مستغلة الفرح الكروي للفرد، لتقنعه باستهلاك مايقدم له من مزابل المصانع، يبثها الإشهار، كمصنعات في حلة جميلة جذابة. تربك الكرة حياتي خلال شهر اللعب، حيث يرفض أفراد الأسرة تناول الوجبات، إلا بعد نهاية المقابلة الكروية " الماتش "، فالغذاء مؤجل، والعشاء في خبركان، والشاي يفقد مذاقه من كثرة تسخينه. وقد يطول انتظاري بامتداد مدة المقابلة مع الأشواط الإضافية، والركلات الترجيحية. تعطلت مشاغلنا بسبب متابعة أفراد الأسرة للمباريات، انقطعت جولاتنا ونزهاتنا. بينما يزداد احتجاجي ونقيري: لماذا كل هذا العشق للكرة ؟ أليس لديكم ماتفعلونه ؟ وأنت – إلى ابنتي-: هل أنهيت الكتاب الذي بدأت ؟ ألا تلخصين القصة التي قرأت ؟ ألا تتفضلون إلى طاولة الأكل، فالطعام برد، والشاي فقد مذاقه ؟؟ إرتباك ودربكة أحدثتها الكرة في معيشنا اليومي.

كرة القدم: في لوحة تشكيلية نشرت عبر الفايس بوك: فرنسا بالأزرق والأبيض والأحمر، تحولت إلى كف كبيرة، تأخذ الكأس الذهبية التي ترفعها عاليا، وفي أسفل اللوحة تظهر رؤوس بشرية، تم تكديسها في قارب كبير تلاعبه أمواج المحيط، في مشهد يوحي إلى قوارب الموت، التي تغادر إفريقيا نحو أوربا، بحثا عن الجنة المفقودة. الذهب لفرنسا، الكل صفق لفرنسا،والكل حيا فرنسا، ركع لفرنسا، انبطح تحت حذائها اللامع، للديكة التي هزمت الفيلة والأسود، لكن الجميع نسي أن الفريق الفرنسي، فريق إفريقي بامتياز. إفريقيا تنتج وفرنسا / أوربا تجني الثمار، دون أن يعترض أحد، حتى الأفارقة. والثمن تدفعه إفريقيا من بؤسها من مرضها، وعفنها وجفافها ويبسها، وقشها وحرائقها وانتشار الأوبئة بها( الأيدز، الإيبولا، الملاريا الأنفلونزا...)، من غبنها وتلوثها ( دفن نفايات العالم بأراضيها وبحارها ). من انحطاطها من جحيمها، من  من وجعها من خيباتها، من رمادها من خرابها من حرمانها، القارة الغارقة في البحث عن لقمة العيش لأبنائها، يحق فيها مقطع من شعر محمود درويش في قصيدة " خطبة الهندي الأحمر ": " كنا نعمر أكثر لولا بنادق إنجلترا والنبيذ الفرنسي والأنفلونزا ". تعتصر إفريقيا ليحتفي العالم بالذهب، كأسا معتقة، يشرب نخبها الأثرياء، من البرجوازية الأوربية والأمريكية المتحكمة في خيرات العالم.  

تصبحون على عالم  حر في اختيار ألعابه، يحمل أمانة الحفاظ على ذهب الأرض وبترولها، وثرواتها. أهنئكم بالسلامة من المشاركة في كرنفال نهب خيرات أمنا الأرض، واستنزاف حقوق الجياع من أبنائها.




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة