أضيف في 26 شتنبر 2018 الساعة 18:08


الشاون...


بقلم: يطو لمغاري

الشاون: أو شفشاون مدينة في شمال المغرب، الإسم الأصلي للمدينة هو أشّاون أي القرون بالأمازيغية، يقصد بها قرون الجبال. تأسست مدينة شفشاون حاضرة الإقليم سنة 1471، على يد علي بن راشد، لإيواء مسلمي الأندلس، بعد طردهم من طرف الإسبان. يقع إقليم شفشاون في أقصى شمال المغرب، على سلسلة جبال الريف، ويحده شمالا البحر الأبيض المتوسط، بواجهة بحرية تمتد على ما يفوق 120 كلم، جنوبا إقليمي وزان وتاونات، شرقا إقليم الحسيمة، وغربا إقليمي تطوان والعرائش.

الشاون: أهم معالمها، تتسم مدينة شفشاون أو الشاون بالسمات الجبلية، ذات التضاريس الصعبة والانحدارات المفاجئة، والأودية المنخفضة والإنكسارات الحادة. وقد عرفت تواجد الإنسان منذ العصور القديمة، مع استقرار الأمازيغ بالمنطقة. تحتضن المدينة القديمة للشاون مجموعة كبيرة من المباني التاريخية، التي تعكس إلى حد كبير الطابع التاريخي والحضاري للمدينة: القصبة، تقع في الجزء الغربي للمدينة، بنيت لمواجهة الاحتلال البرتغالي، محاطة بسور تتوسطه عشرة أبراج، شيدت على النمط الأندلسي، يوجد بها المتحف الإثنوغرافي الذي أنشئ نهاية القرن 17م. ساحة وطاء الحمام: ساحة عمومية بالمدينة القديمة، عبارة عن ساحة سياحية زينت بنافورة مياه جميلة. من الأحياء القديمة بالمدينة: حي السويقة الذي يعتبرثاني أقدم تجمع سكني بني بعد القصبة، ضم في بدايته العائلات الأندلسية العائدة من الأندلس. يضم أقدم البيوتات الموجودة بمدينة الشاون، والتي زينت باللون الأبيض الممزوج بالأزرق السماوي. ثم حي الأندلس الذي بني لإيواء الفوج الثاني من المهاجرين الأندلسيين، الذين قدموا إلى مدينة شفشاون سنة 1492.

الشاون: إتجهنا إليها في رحلتنا الصيفية إنطلاقا من مدينة القنيطرة بالغرب، سيدي قاسم ثم وزان، التي تبعد عن الشاون ب160 كلم. على الطريق إكتشفت مع أفراد أسرتي طبيعة غناء تجابه حرارة فصل الصيف. الأشجار على جنبات الطريق من الجهتين تمتد خضراء، خضراء، خضراء على مد البصر، من المنحدر على طول الجبل حيث شجر الزيتون والتين والسروالأرز والسنديان (البلوط الفليني)، والشوح المغربي كامتداد للشوح الإسباني، والأوكالبتوس الشجرة المعمرة، الظليلة صديقة الطريق. والمعروضات على الطريق: زيت الزيتون، التين المجفف البيض البلدي. من المواقع التي اجتزناها: واد مليلح، مركز الزيتونة راس الماء. مناظر جميلة خلابة تأخذ الألباب. السكان الجبليون ( جبالة ) نشيطون خلال الصيف في إنتاج المنتوجات المحلية، وعرضها للبيع على الطريق وفي الأسواق الأسبوعية، صادفنا سوق الأحد، حيث المرأة الوزانية حاضرة وبقوة في التجارة المحلية تبيع وتشتري، للمساههمة في ضمان قوت الأسرة، وتحسين اقتصاد المنطقة. وإثبات ذاتها كفرد قادر على الفعل، وكشخص يستطيع المساهمة في تنمية المجتمع، ومواجهة أشكال الفقر والعوز.

الشاون: هبة منبع رأس الماء الذي يروي المدينة وبساتينها منذ قرون، يعود الفضل في غزارة مياه المنبع، حسب الموروث الشعبي، إلى جنية تسكن الكهف في رأس الجبل، تحول إتجاه المياه العذبة نحو المدينة. الشاون، هي الحبيبة النوارة المنارة، غصن الزيتون، كرمة التين، سر من أسرار الكون، أهلها مسالمون، هادئون يرحبون بالسائح. هي اللوحة أو القصيدة كما قال فيها الشاعر المغربي عبد الكريم الطبال وهو أحد أبنائها. إذا تكلمت، فصوتها خرير الماء، ولحنها أنشودة تغريد الطيور. مدينة الفوانيس المعلقة. تتدلل في لونها الأبيض والأزرق. تبهر تدهش تفتن، تحكي تقص تروي، تغرد تسير تطير، تستقبل ترحب تفتح الأبواب. المدينة الزرقاء تلقب بغرناطة الصغرى. جوهرة معلقة وسط الجبال المحيطة. تحميها أشجار الزيتون والتين والسرو، يزينها نبات الدفلى، تلقب بالمدينة السياحية الساحرة المخفية، أخت غرناطة. فمعمارها يشبه معمار غرناطة الأندلسية. إنها صدى الأندلس،عطر قرنفلة، المدينة المعلقة على منحدرات جبال الريف، تلقب بالجوهرة الثمينة. تحيط بها مرتفعات جبال الريف، تخفيها كما لو أنها تخفي كنزا ثمينا. لباس نسائها التقليدي: الحايك الجبلي، المنديل أو الشد والشاشية على الرأس.    

الشاون: مدينة سياحية بامتياز، عند مدخلها الرئيسي أدهشني مشهدين رائعين: أمامي، مشهد الشاون كلؤلؤة زرقاء معلقة على صدر جبال الريف، وعلى اليسار مشهد صديقتها الحمامة البيضاء، تطوان تنشر جناحي السلام. الشاون مملوءة عن آخرها أفواج الناس لاتتوقف، كتل تتحرك في نظام، الكتف على الكتف، دخلناها على الساعة الثانية عشرة زوالا، لم نجد بيتا للمبيت إلا بعد مرور أربع ساعات من البحث، في وجود المساعد الذي أخبرنا أن كل الفنادق والمنازل مملوءة، وزاد أن السياح ليلة السبت الأحد باتوا في الشوارع. أدهشتني المدينة بجمالها، وجدتها تتحدث التاريخ والجغرافيا، والطبيعة الجميلة البسيطة، والبيئة النظيفة والمساحات الخضراء، البستنة المزهريات المعلقة على الجدران،على الدرجات ترافقك على طول الشارع، تطل عليك من النوافذ والشرفات. القطط الجميلة النظيفة الأنيقة، ترحب بك بنظرات عشقية بريئة. فتنت وأصبحت أردد: ياه لهذا الجمال المعلق على صدر بلدي ! من المشاهد التي أعجبتني السقاية في حي السويقة، يغريك ماؤها المتدفق بالشرب وإن لم تكن ظمآن، الزليج المتناسق على جدارها، والكأس الخزفي يمد من يد إلى يد، يناوله السابق لللاحق بتلقائية مملوء بالماء البارد، وابتسامة خفيفة تزين وجها لاتعرفه ولايعرفك، يناولك أو تناوله شربة ماء بالمجان. مشهد يشي بإنسانية الإنسان، ينشر التسامح والسلم، والتعايش بين مختلف الحضارات والشعوب. لوحة فنية لا تتجسد إلا على هذي الأرض، والسر هو: ريح الشاون وروحها، حبة الأسبرين الطبيعية، تزيل صداع النفس، تحل عقد الروح، تتفتح مسام الجسد، ينساب الأوكسجين إلى العقل، يتدفق الدم إلى القلب، يرسم لوحة الحب والسلام.

الشاون/ أقشور: من أهم المواقع بضواحي الجوهرة الزرقاء،منتزه طبيعي ساحر: الماء والخضرة والشمس والريح، وتراب الأرض، بحباته الذهبية. لايمكن أن تزور الشاون دون أن تنزل إلى أقشور، هواء نسيم عليل يداعب الوجوه، يمسح آثار التعب والقلق والضغوط النفسية المتراكمة. والجبل الصخرة الكبيرة، الصخرة الأم تطل من عل، تراقب الوضع عن كثب. والناس وجوه، ووجوه ووجوه. خطوات، خطوات، خطوات. وعلى الرمال آثارالأقدام يرسم خارطة طريق ملتوية، مشكلة شبكة من التخاطر تفسر ما تفسر. خليط من كل الأجناس والجهات والاتجاهات، الأوربيون: فرنسيون، بريطانيون ألمانيون... والأسيويون: يابانيون صينيون وكوريون، والأمريكيون. وقبل وبعد كل هذا المغاربة. تختلف الألسن والبشرات والألبسة والعادات، والنظرات والابتسامات والأصوات. والطبيعة معطاء خضراء جنة على الأرض. إنها أقشور جنة من جنان المغرب الساحرة.

الشاون / أقشور:  الماء المترقرق واد لاو، خرير المياه الزرقاء تعزف سمفونية طبيعية خالدة، حين يتعانق النهر والبحر، تحت حراسة الجبل، في مشهد خلاب أخاذ يسلب الألباب، جمال بدائي أبدي في أقصى شمال المغرب، حيث يصب النهر في البحر الأبيض المتوسط على بعد 45 كلم شرق مدينة تطوان، والشلالات تضفي على المكان جمالا لاينفذ. وفي البحيرة تغري المياه الباردة الزرقاء المترقرقة الجميع بالسباحة: الأطفال إناثا وذكورا، الرجال النساء الشباب الشيوخ. حيث الاستجمام الاستحمام الإستمتاع. وأنت فيها: تسبح تتنفس تطير، تفرح تمرح تسرح، تنزل تصعد تخف تنط، تنطلق تتفاءل تتفاعل، تتأمل تأمل تتدلل. الناس بالمئات بالآلاف صاعدين نازلين مع التواءات الجبل. والهدف هو إفراغ الشحنات السلبية التي شحنت النفس على مدى سنة، من العمل والجهد والتعب. والجو هنا مناسب لملإ البطاريات، لتقوية القدرات واكتساب الكفاءات، لمزيد من العيش والاستمرارية في الحياة. إنها المتعة الفرحة الدهشة الانتعاشة. أنا ؟ أتطلع أرنو أكتشف، أتحقق أسأل أحلم، أسافر أتأمل أفرح، أمرح أسرح أكتب أصف أدون، أتصور ألتقط أصور بالعين المجردة، ككاميرا دقيقة خفية ومتنقلة، وحيث  أًصدقائي: ورق، قلم دفتر وكتاب. إنني بين أحضان الجنة المفقودة حقا، نفتقدها حين نغادرها، لاتتكرر في أي مكان على الأرض، شبيهة نفسها.

الشاون / أقشور: السكان المحليون أهل الريف يرحبون بالضيوف، يشجعون السياحة الداخلية والخارجية. ونحن ننزل المنحدر نحو أقشور في الصباح الباكر، كان فطورنا بيضا مقليا، جبنا طبيعيا زيت زيتون وزيتونا، بطعم حامضي قارص، وشايا بالنعناع  مذاق شهي يتردد على طرف لساني إلى اليوم. وعلى طول المنحدر نحو الوادي يهيء أهل المنطقة من الرجال، الطواجين باللحم أو بالدجاج أو بالسمك، كما يهيئون شوايات السمك خاصة السردين، والنساء يخرجن الخبز ساخنا من الفرن التقليدي (أفرنو). الأجانب من كل الأجناس مأخوذون بجمال المكان مشدوهين بفم فاغر يتساءل بعض  est ce que vous ètes des maroquains? 

الأوربين يتأكدون من أن هناك من المغاربة من يسافرون، ويستمتعون بجمال طبيعة المغرب الغناء، ونحن على بعد بضعة أيام من عيد الأضحى. بينما نزل أفراد أسرتي إلى البحيرة الزرقاء يستمتعون بالسباحة. جلست تحت شجرة مورفة خضراء، أمدتني بحنان وبشعور بالألفة لن أنساه. والماء والخضرة ووجوه أحبتي والناس، والابتسامات على الوجوه وسط الجمال. الماء وحشرات الماء: خضراء سوداء صفراء، الحجر الشجر، الأوراق المورقة الخضراء،ثابتة على الأغصان، الأزهار الملونة يداعبها النسيم، الجو بهيج، والطيور: تصدح تغرد، تحط تطير، ترفرف تزقزق، فوق الأشجار وحول المجرى المائي. الجبل عال صخري حجري، صلب شامخ واقف، راس فهو من الرواسي، حائط طبيعي إبن الأرض، ناتج عن الزحزحات التكتونية، التي عرفتها الأزمنة الجيولوجية القديمة، في الفترة التي تكونت فيها جبال الألب بأوربا،  فهي قرينتها. الأشجار: شجر التين الزيتون البرقوق العرعار. الحشائش: الزعتر، إكليل الجبل، الريحان. في السوق كل شيء طبيعي: البيض البلدي، الجبن الطبيعي من صنع الريفيات المناضلات، التين المجفف مشرح مرشوش بالزعتر، الزيتون منه الأسود والأخضر مرقد بالملح والحامض.

الشاون: اللؤلؤة الزرقاء يزداد سحرها تحت الأضواء وتغري العيون بجمال من نوع آخر: الليل والسواد الظلمة، وأضواء الفوانيس خافتة، وزرقة المكان، وريح البحر وروح الجبل. ما أروعك ما أبهاك يا الشاون ! أيا جبلية رداؤها المنديل المخطط والفوطة والشاشية، ألأبستنيه نساء الشاون الجميلات، وخضبن يداي بالحناء. الجو في لياليك يشعر القلوب بدفء لا يوصف، حيث يتحلق الناس حول الحلقات الموسيقية التي ينشطها موسيقيون شباب، في إطار موسيقى الشارع: غناء ورقص وتصفيق، وضرب على الدفوف، وعزف على الكمان، في جو من الالتزام والانضباط، ثم يتوزع الناس على المطاعم المصطفة على طول الشارع، لتناول كأس الشاي، ثم العشاء. ليل الشاون طويل هادئ آمن يغري بالسهر، والأبواب الزرقاء الموصدة المقوسة تنشر الأناقة والجمال. عدنا إلى المنزل الذي اكتريناه عند الواحدة بعد منتصف الليل. في الصباح خرجنا باكرا قصد السفر وإتمام الرحلة: الشارع هادئ خال إلا من بعض المارة الزوار أو المسافرون فقط. لاحظنا ونحن نتناول فطورنا بإحدى المقاهي، أن أغلب المبكرين بالاستيقاظ مثلنا، هم من جنسية صينية، هكذا كان تعليقي، لكن إتضح فيما بعد أنهم من شرق آسيا عامة: فيهم الكوريون والصينيون واليابانيون، حيث شرحت لنا إبنتي الفرق بينهم: اليابانيون بشرتهم حنطية داكنة تميل إلى البني، الصينيون بشرتهم تقريبا بيضاء، والكوريون بشرتهم بيضاء نوعا ما تميل إلى البشرة الحنطية، حتى أن خدودهم تظهر وردية زهرية براقة، كأن وجوههم مدهونة بالزيت، الاختلاف أيضا يطال العيون والشعر، وطريقة وضع الماكياج. غادرت مضيفتي في ذلك الصباح الضبابي وأنا أناجيها: صباح الخير أيتها الشاون، المدينة الوديعة الهادئة،الجميلة النقية الأنيقة،الرشيقة الطبيعية البسيطة الريفية، الجبلية أمازيغية الأصول مدينة السلام، تحيط بها أشجار الزيتون من كل الجهات، فهي غصن زيتون عربون سلام ، ليس من فراغ أن تختار سادس أجمل مدن العالم. عمت صباحا أيتها الشامخة وإلى الملتقى، وداعا. تركنا فيك ذكريات جميلة، للحظات لاتنسى، قضيناها في سويعات سرقناها من ضيق الوقت. ونحن نشد الرحال إلى جارتك طنجة العالية، حيث مغارة هرقل.

تصبحون على وطن من بيئة نظيفة ومن جمال إنساني، أهنئكم بالسلامة من آفة الخوف من السفر، وحب استطلاع المواقع الجديدة. شعارنا: توفير حق السفر للجميع، وتيسير السياحة الداخلية للجميع.  

 




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة