أضيف في 19 أكتوبر 2018 الساعة 20:58


شهيدة الوطن...


بقلم - يطو لمغاري

أن أقتل برصاصك يا وطني، هي المذلة، وأي مذلة ؟؟

وكم من ليلة بت أتضور جوعا ؟ حاولت الانتحار مرتين ولم أنجح. بعد أن تدخلت أمي وجاراتها لإنقاذي. لا أمتلك وأفراد أسرتي بيتا يأويني. بل نكتري غرفة في ما يشبه المنزل، يضم عائلات متعددة. كبرت ياوطني، وتمنيت أن تكون لي غرفة مؤثتة، تحوي خزانة ملابسي الجديدة، ومكتبا يحمل حاسوبا، ومكتبة تضم كتبا للفلسفة والتاريخ والرواية، أو حتى قصصا للغرام. لم أجد. دخلت المدرسة ياوطني علموني أنني أنتمي لبلد الحق والقانون. وأن من حقوق الإنسان:الكرامة الحرية، المساواة والتضامن، العدل والسلم والديمقراطية. بل وزاد الأستاذ ودرسني أن من حقوقي الفردية: الحق في العيش الكريم والسكن اللائق. ومن حقوقي الجماعية: حق التعبير وحق المشاركة في تأسيس الأحزاب والنقابات للدفاع عن الحقوق. لكنني لم أجد أيا من هذه الترهات على أرض واقعي. فهل تكذب برامج المدرسة ؟ أم أستاذي هو الكاذب؟ كل ما دونته في كراستي أجده في واقعي محض افتراء.

شهيدة الوطن: دخلت الجامعة لأدرس القانون حتى أفهم، وأغيرالحال والأوضاع. لكنني وجدت قانون بلدي مليء بالثغرات والهفوات. وبعض بنوذه لاتُفعَّل إذا عطلتها آفة الرشوة، ووباء المحسوبية والزبونية. وبعض القوانين تطبق لصالح الغني الظالم ضدا عن الفقير المظلوم. فلا السارق الحقيقي نال عقابه، ولا القاتل الفعلي صدر في حقه الحكم. ولا المجرم في حق الشعب قدم للمحاسبة، لأن الحاكم عمل بحكمة: " عفا الله عما سلف ". تعبت ياوطني وانتابني الشعور بالملل، إسودت الدنيا في عيني، وفقدت الأمل في الحياة، وفي أن أستعيد حقي في العيش الكريم، كما يليق بآدمية تعيش على الأرض، كإحدى بنات وأبناء هذا الوطن. فتحت المذياع، فزودني المحلل الاجتماعي بحكمة أن أتسلح بالعمل، وألا أفقد الأمل. وأن أشعل شمعة في الظلام. فاشتعل قلبي حماسة وفكرت. فكانت بارقة الأمل في السفر. حزمت أمتعتي، وركبت الريح تدفعني أمواج الأحلام. لكنني لم أكن وحدي بل وجدت شابات وشبانا، أطفالا ومراهقين تسلحوا بنفس السلاح: الأمل. هاربين من حضنك ياوطني، لكن حضن الموت كان أرحم بي.

شهيدة الوطن: اليوم يصدر حكمك النهائي؛ لا بد من استعمال الرصاص في حق الهاربة العاقة. ياه لظلمك أيها الوطن! يا المجرم المحترف ! يا القاتل بالتسلسل!   لم يكفك أنني هربت تحت جنح الظلام، والخوف يقتلني والشجن يعذبني؟ أدخلتني عالم الشهرة بأنني أول مواطنة، يقتلها الوطن بالرصاص الحي. والآن، وها رصاصاتك السبع تقطع أحشائي، بعد أن سكنت أضلعي. فلتحتفل بانتصارك على الضعيفة البريئة، الحزينة الصريعة، الصغيرة القتيلة،  المريضة الرقيقة الرشيقة، الجميلة الوحيدة، الغريبة البعيدة، الشريدة النجيبة، الحبيبة اليتيمة، العفيفة الشقيقة، الخائفة الحالمة، الباكية الساهرة، الواعدة المناضلة، المكافحة المواجهة، الجائعة الحافية العارية، الصابرة الصامدة، حتى أن رفاقي شبهوني بالطائرة الكونكورد المقاتلة في كل الإتجاهات والظروف. لا أكل لا أمل، لا أتعب لا أشتكي لا ألوم. وأحبك يا وطني، واليوم أنت قاتلي. اليوم بموتي تشتعل أنوار الحقيقة، بأنك القاتل الذي بادلني الحب بالقتل. لكنني في الحقيقة، قتلت يوم صدقت أنك الحضن والملاذ، الملجأ والمكان، السكن والمأوى والوطن. كاذب أنت أيها الوطن. لم أجد فيك أيا من تلك الإدعاءات. وقاتل أنت أيها الوطن. كنت تحضنني وأنت مسلح بالنار بالرصاص، بالغدر بالضغينة بالقتل. ولعل في موتي عبرة لمن يعتبر.

شهيدة الوطن: وتعبت من أنني مهمومة طول عمري. وأنا في مقتبل العمر، حلمت بأن أتمتع بالحياة، فوجدت الحل في الهروب من حضن أمي إلى المجهول، لعل الحال يتبدل إلى الأحسن. شعرت بالحرية وأنا على متن القارب المطاطي. حرية لم أحسسها طيلة العشرين عاما، التي عشتها على أرضك ياوطني. وتنفست رئتي ملأ قوتها نسيما عليلا، آت من بعيد. لكن غدرك سبق حقيقة وصولي إلى جنة الأحلام. وأستعيد شريط حياتي على أرضك. وأتذكر: ظلت أمي تقول: أنه يوم مولدي اشتعلت الشموس في الكون، وعم السلام بيت الزوجية. ويوم حصلت على الباكالوريا، فرحت أمي أيما فرح وزغردت، متمنية أن تعيش ليوم تراني فيه محامية أو قاضية، يشهد لها في المجتمع، تغير أحوالها، تمحو العذابات على العتبات. وأتذكر أنني عشت وأنا ألاعب الموت ويلاعبني. جربت يا وطني أن أموت جوعا، وأتى علي زمن إستمر جوعي أياما ولم أمت. جربت أن أموت بردا، كانت ملابسي في قر الشتاء أسمالا بالية، إصطكت أسناني وارتعدت فرائصي ولم أمت. تحفيت وظلت أصابعي خارج حذائي البالي، ازرورقت وانحبس الدم فيها ولم أمت، رغم توقف الدورة الدموية في جسدي. وتوالى مسلسل الغدر منك ياوطني، قتلتني جوعا، بردا، عطشا، غضبا، حسرة وألما مثخنا بالجراح. وأنا كالقطة بالسبعة أرواح ظللت أتجدد بعد كل ميتة. بل ظللت أعاكس الواقع المر، وأقنع نفسي وأقراني بأنه: " قطران بلادي ولا عسل البلدان". لكن نفسي أصيبت بخيبات وخيبات وخيبات. وما الذي رماني على المر إلا الأمر منه ؟ و"هل يهرب القط من دار العرس "؟ ياه لسخرية القدر ؟ الحالمة تودع الحياة غدرا ورميا بالرصاص.

شهيدة الوطن: إنتبه يا أبي وسيدي الوطن، يداك تقطران دما، هو دمي. نعم دمي أنا البريئة الصابرة. حملت عنك الأعباء كلها، حتى أصبت بوخز الضمير، مرضت جسدا ونفسا، كرهت نفسي وواقعي وفقري. وكفرت بالصبر بالوعود بالوطن بالمواطنة. هربت من حضنك إلى المجهول حالمة آملة، راغبة ناقمة، سائلة ساكنة ساكتة، ذاوية ذابلة، غادية غائبة، جارية آوية شادية، سابرة سارية، سارقة زمنا من الزمن للزمن، هاربة من مكاني إلى اللامكان، فما كان مكانك لي ولأمثالي، بل كان للمارقين للسارقين للخاطفين. لكن وصيتي الأخيرة لك ياوطني: إياك ثم إياك أن تلمس شعرة من أمي، أو أبي أو إخوتي، أو جيرتي. آنها سأقف لك بالمرصاد، سأنبت شوكة في حلقك وإلى الأبد. ولتعلم، أنه كلما اشتدت أزمة تنفرج، ومهما طال الليل لابد أن تشرق شمس النهار.

تصبحون على وطن، بديل للوطن، حنون عادل يرفق بأبنائه. أهنئكم بالسلامة من آفة العيش في وطن غادر قاتل. شعاركم: نعم للكرامة، لا للاستغلال والاستغفال.




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة