أضيف في 20 أكتوبر 2018 الساعة 00:23


رواية «لا تجرب حب امرأة» .. بين فشل السارد ونجاح الـمسرود


بقلم : منير الـمنيـري

في روايته الـجديدة «لاتـجرب حب امرأة» الصَّادرة عن دار بصمة للنشر والتوزيع بـمصر، يـحاول الكاتب عبد العزيـز بلفقيـر مواصلة اكتشافاته السَّـردية التي ابتدأها بـمجموعته القصصية «الأرض البعيدة» سنة 2015، ثـم تلاها بروايته «هَـمْسُ الأقدار» سنة 2016. إنَّ الكاتب، كما هو واضح، في عمليه السَّابقيـن، يـخوض مغامرة الكتابة، وحيداً، منفرداً، فيغرد حرًّا، مرة فرحا، ومرَّة صارخاً متمرِّدا في وجه الـنـَّوع الأدبـي الذي يَكتبُ طبقاً لأعرافه، ويَسِمُ أَعماله بأَسـمائِه.

ولقد أتى عمله الأخير حاملاً لتناقضاتٍ ومفارقاتٍ في الشَّكل والـمضمون، ناضحاً بِرغبةٍ في ضمِّ الشَّتات، شتات الذَّات الـمبعثرة، الفاشلة في الزَّمان والـمكان. فبدءاً من العنوان نَلمحُ أنَّ دعوته غير عادية، فهي تنهي وتدعو للكفِ عن أمر جلل تَتوق النَّـفوس له وتتعلقُ الأرواح غَريزيا به، إنّه حب الـمرأة نصيفة الرَّجل في الكون، زوجةً، وأمـًّا، وأختـاً…

إنَّ هذه الدعوة تَفتح أفقاً كبيراً للانتظار:

كيف هو ذا الـحب الذي يُـحـرِّم الكاتب تَـجربته على الرِّجال؟

وما الأسباب الثاوية وراء هذا النهج والـمنهج الداعي إلى تجريم حب المرأة ومنعه على الرجال؟

أَسئلة كثيرة تَقْرَعُ ذِهن القارئ، وهو يلمح العمل مرفوفاً، أو مصفوفاً أو على شاشةِ لوحةٍ أو حاسوبٍ، فَبقدر ما يُـثير من غَرابةٍ، بقدر ما يدعو إلى قِـراءة العمل والانكباب على تَتَبُعِ شُخوصه بين أحياء مدينة الدَّار البيضاء التي اختارها فَضاءً لكلِّ أحداث روايته.

العنوان إذن، يَنْـتَـصبُ هنا كعتبةٍ أولى، واضحاً، جلـيّاً، مُشوّقاً، وموجهاً لقارئ عربي أو غير عربي يَهْـوَى كلَّ مَفصلٍ مُتعلـقٍ بالـمرأة، ذاتاً وروحاً. وبالفعل، فالكاتب عبد العزيز بلفقير يُـحقق نَشوة هذا القارئ حينما يصاحبه في تتبع شخصية «علال» بطل روايته الدرامي، في إخفاقاته المتكررة، حُـرّاً وسجيناً، «علال» الذي اِنْكَـبَّ على الحياة فما كانت له إلا مرارتـها، طَـلَّـقَ زوجته، أو بالأحرى طَـلَّـقته، فالتحقَ بعالـم اللَّذات، ثم تاجر في الـممنوعات ليحقق ذاته، فاكتسب الكثير، ولَـكِنَّهُ لم يَصمد أمام إغراءات «زكِـيَّة»، التي جعلته يفشي بـمكنوناته السِّـرية فأخبرها بأنَّه سيغادر الخلية، خلية التهريب، الشيء الذي جعل الخلية توقع به في كمين وشرك الشرطة، ليدخل السِّجن لعشرين سنة، ولـما خرج خـمسينيا يـحمل تَعَبَ السِّنين، ونادماً على تفريطه في زوجته السَّابقة «هدى»، رغب في تـجربة لعبة الـحب، لعله يَظفر بزواج ناعم، عَـلَّ ذلك ينقذ روحه من التياهان ويَـمنحها بَصِيصَ أملٍ. غير أنَّ الـمتتبع لأحداث الرِّواية يَـتضح له أنَّ حياة «علال» كُتِبَ لها الشَّقاء، فقد أخفق في تَـجربتين، والثَّـالثة أردته قَتيلاً، لأنَّه حاول أن يـجرب الـحب دون أن يؤمن به.

إنَّ البطل هنا يتحرك في فضاء مَـحدود، ويَنسج علاقات مع مُـحيطه، غالباً ما تتحول إلى فشل: السِّجن، الـحانة، شقة العشق الحرام، الـمقهى… ومع شخوص يتسمون بالغرابة والارتياب والفشل.

فمثلا «هدى» زوجته الأولى فَشلت في إصلاحه، ومتى يستقيم الظِّـل والعود أعوج؟ و»عبد الغني» الذي قتل زوجته، و»سهام» التي كانت سـما تـجرعه في آخر حياته…إلخ.

وعموما، فشخوص الكاتب عبد العزيز بلفقيـر، أو بالأحرى شخوص رواية «لا تجرب حب امرأة» نماذج بشرية لذوات نعيشها كلّ يوم، ذوات كانت تحلم ففشلت في تحقيق أحلامها لقلة مالها أو لبلادة طبعها أو لطيبوبتها.

رواية «لا تجرب حب امرأة» رواية اجتماعية، تعيد إلى أذهاننا ما كتبه صلاح عبد القدوس والسباعي وآخرون. إنَّـها رواية تصف أكثر مما تـحلل وتـحقق، رواية تـحاكي الواقع وتزيد عليه آراء جديدة، وهذا ما يـمنح الرِّواية جاذبية ومقروئية عند فئات كثيرة من القراء، العامة والخاصة، فقد تـحققت فيها لبساطة فكرتها وقوة حبكتها ما توفر من مقومات في أعمال كلاسيكية رائدة، وكذلك لعزفها على أوتار المرأة التي صورها الكاتب بالكيان الذي ينتصر حتى في لـحظات ضعفه.

أخيراً، تقع الرِّواية في 154 صفحة من القطع الصَّـغير، وتَنقسم إلى ثلاثة فصول، كلُّ فصل يَـحمل عناوينَ صُغرى، نذكر على سبيل الـمثال: رَجُـلٌ لَا يَعرفُ ما يُريد، مؤامرة، بـحث، نزيف… إلخ.

إنَّـها بِـحق رواية تكشف عن اختلالات الـمجتمعات العربية، وتَضع الأصبع على جراحاته، لا لتعالجها، بل لـتوقظ الـحس في هذا الإنسان الـمُعاصر، الإنسان الـحيّ الـميّت، الغريب عن ذاته ومحيطه.




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة