أضيف في 15 نونبر 2018 الساعة 01:48


الطفلة الفذة ...


بقلم - يطو لمغاري

الطفلة الفذة : مريم أمجون التلميذة بالصف الرابع ابتدائي ، من قرية تيسة قرب مدينة تاونات ، على بعد 50 كلم من مدينة فاس شمال المغرب ، وتتابع تعليمها بمدرسة " الداخلة " العمومية . ينتمي والداها الى أسرة التعليم ، حيث يدرس والدها مادة "الفلسفة "وتدرس والدتها "مادة علوم الحياة والأرض" . تفوقت مريم على 597 ألف متسابق (ة) في المغرب يمثلون 2612مؤسسة تعليمية ، و16 متسابقافي الدور نصف النهائي، و5 متسابقين في الدور النهائي . وفازت بطلة تحدي القراءة العربي " في 30 أكتوبر الماضي بدولة الإمارات  ، حيث أعلن فوزها بالمسابقة التي شارك في دورتها الثالثة هذا العام 105 مليون طالب وطالبة ، من الصف الأول إبتدائي إلى الصف 12 من 44 دولة حول العالم .
 
الطفلة النموذج : تقول مريم ذات التسع سنوات ، " القراءة ذخيرة العقل وكنز المعرفة ، من تسلح بها ساد وغنم وانتصر ، ومن أغفلها هان وضعف وافتقر . فالقراءة هي طوق نجاة الأمم الغارقة في الجهل والمرض والفقر . القراءة هي ذاكرة الإنسانية الحية ومستشفى العقول . إذا تسلحت بها رفعت مقامك ، وهذبت خلقك ، وشحذت ذكاءك" . سئلت عن بلدها المغرب فأجابت : "بلدي قطعة من الجنة " . وفي سؤال آخر إعتبرت الشعر أفضل الفنون ، لأنه كلام موزون مثقف ، ويعبر عن مشاعرنا بأفضل بيان .
 
الطفلة البطلة : وصلت إلى قلوب الناس وملكت الدنيا . مريم الوردة ، النسمة القرنفلة الزهرة ، النحلة النملة النوارة ، الشذى قطرة الندى ، المبحرة الرحالة ، عبر متون الكتب والروايات ، صديقة القلم والورقة والحرف . البدرة التي بدرت ، وأينعت ، فأعادت الأمل إلى المشهد التعليمي المغربي . الطفلة مريم أمجون من المغرب ، المفخرة المنارة الواعدة ، التي سبقت عمرها بسنوات ضوئية . نِعم التربية للأطر التعليمية ، التي تناضل من أجل أن يبقى السراج المنير للعلم وضاء وهاجا .  
 
الطفلة المثقفة : ولأن الجهل عار والعلم نور، فإن مريم المثقفة ، لن تنشغل بترديد "عين الحسود فيها عود" ، أو بتعليق "خميسة" من الذهب أو الفضة ، تقيها من العين والحسد . لن تتطير من ملايين العيون ، أوعلامات الدهشة التي تابعتها ، وهي على منصة التتويج ، أو في بلاطوهات القنوات العربية ، أو المواقع الإلكترونية ، تقدم التصريح تلو الآخر أو تجري الحوارات . فمريم لا تؤمن بالخرافات والترهات التي تملأ عقول أبنائنا وبناتنا ، خاصة ممن لا يقرأون ولا يحصلون العلم ، ولا يشعلون مصابيح العقول. مريم لن تتطيرلن تتشاءم ، تحميها الحروف والكلمات والأفكار، التي تحصلها يوميا من قراءة الكتب والمجلدات ، التي هي سلاحها ضد الأمراض العقلية والنفسية والجسدية أيضا .
 
الطفلة المبدعة : مريم تقول : القراءة مستشفى العقول ، فعلا ياسادة ، فالقراءة تنقي العقول من الجهل والبلادة والبلاهة،  والغباء والتغبن والتخلف . القراءة نور يضيء الطريق يطرد الظلام . يجفف المستنقعات من المياه الآسنة ، المليئة بالروائح المتعفنة القذرة ، وبالحشرات الضارة . القراءة أوكسجين العقول ، يغذيها ، يطيل عمرها ومدة صلاحيتها . نعم ، إن تفوق مريم التاوناتية الجبلية ، الريفية الأمازيغية الحرة المغربية ، تفوق للمدرسة العمومية المغربية ، للأستاذ (ة) المغربي (ة) ، للأسرة المغربية ، للإنسان المغربي ، للأنثى المغربية ، رغم كم القهر الذي تعانيه ، ودرجة الإقصاء الذي تواجهه . فوز رد الروح للمشهد الثقافي المغربي ، برزت في سمائه مريم كنجمة ساطعة تقهر الظلام .
 
الطفلة الراقية : ما أعجبني في مريم هو الإصغاء وحسن الاستماع للمتحدث (ة)، فهي تصمت وتنتظر إلى أن تستوعب . إنها متذوقة راقية متريثة . فالقراءة تعلم الأدب وحسن التعامل ، كما يقول المثل : " الإناء ينضح بما فيه " . والحكيم هو من ينصت للآخر ، الحكيم هو من يتلقى ، والتلقي يثقل العقل ، يجعله وازنا . القراءة تاج العقول ، مصباح ينير الدرب ، شمعة تطرد الظلام . القراءة تنظيم للوقت وتدبير للزمن ، تطرد الفوضى والعبث والدجل ، والخرافة والسحر ، والإيمان بالعين والحظ والشعودة .
 
الطفلة العالمية : فرحة مبتسمة ، منطلقة مستوعبة ، حالمة عالمة سامية ، متعلمة متأملة ، أملها أن تصبح مهندسة معمارية متفوقة ، من طينة زها حديد المهندسة العراقية ، التي أبهرت العالم بإنجازاتها. ونالت جوائز عالمية لم تنلها امرأة قبلها. أسطورة فن العمارة الحديثة ، وأيقونة الجمال العالمي .
 
الطفلة الحديدية : مريم الشجاعة ، تتحدث دون أن يعلو وجهها حمرة الخجل . لاتخجل ، لاتقلق ، لاتخاف ، لاتحني رأسها لأحد ، لاتغرق في الحشمة . تربت في جو يسوده التشجيع والثقة والصدق ، والفرح بالطفلة الأنثى ، في العائلة المتعلمة المثقفة . بينما أطفالنا بل شاباتنا وشبابنا ، قد يتجاوز سنه العشرين سنة ،ولايستطيع إتمام الجملة دون أن يتلعثم بكلام غير مفهوم ، أو يتمتم مرتبكا ، وكأنه ارتكب جريمة ، أو أقدم على فعل فاضح ، فما بالك أن يعتلي منصة للتباري أمام الجماهير .
 
الطفلة الجميلة : مريم النوتة الموسيقية ، الناي الشادي ، يعزف لحنا ، جرسا يذيع خبرا ، لا بل سرا لكل المغاربة : أطفئوا تلفازا ينضح بصور الخلاعة والتفاهة والسخافة . وافتحوا كتابا يشع نورا ، هو نور العلم والمعرفة ، شيدوا طاقات بشرية تكون صرحا لمستقبل أفضل . مريم الفلتة الجميلة ، التي أفلتت من يد العبث الذي ينشره إعلامنا العربي ، بتفوق فاضح لثقافة العري والرقص ، والغناء وعرض الأزياء والأجساد ، والفتن وعمليات التجميل بالشفط والنفخ ، واستعمال السيلكون ، بشكل يصر على نشر الميوعة في صفوف الشباب والشابات . مريم التحفة المفاجأة حلقت في سماء بلدي كسنونوة تعلن قدوم الربيع من جديد .
 
الطفلة الأنيقة : مريم ياغزالة المها ، التي نأت بنفسها عن قطيع يغرق في الوحل . هنيئا لك بالفوز بالنجاح بالتفوق . هنيئا لأسرتك بالإنجاز بالمثابرة بالعمل بالاجتهاد . هنيئا لمدرستك العمومية بالحضور الجميل ، بالصنيع الحسن . هنيئا لوطنك ، فأنت مفخرة المغرب . شكرا لحريتك الجميلة ، ولثقافتك الهادفة الملتزمة .
 
الطفلة المبدعة : لكن . لا يجب أن تنسينا الفرحة بتفوق مريم ، وضعية باقي الأطفال والطفلات ، في أسر لا تستطيع أن تهتم بأبنائها ، لأن وضعيتها الإجتماعية والثقافية لاتسمح لها باكتشاف المواهب لدى أبنائها . أطفالنا اليوم منشغلون بمتابعة الأفلام الكارطونية التي تسرق أعمارهم ، أمام مشاهد العنف والكسل والتهاون . بل إن أعدادا كثيرة من مراهقينا ومراهقاتنا ، مجبرة على متابعة المسلسلات المدبلجة بثقافة بعيدة عن ثقافتنا ، توجه إهتمامهم أو اهتمامهن نحو القشور،  بالتركيز على الجسد والمظاهر، والدخول المبكر لعالم التزيين والزينة والجمال (الماكياج)، واضعين أول الخطوات نحو طريق الفساد .
 
الطفلة الموسوعة : إن الاحتفال بفوز مريم ، وغيرها من الأطفال المتفوقين ، لا يجب أن ينسينا الالتفات إلى أطفال يعانون من الموت ، الجوع ، البرد .أطفال يعيشون تحت القصف والحرب والرعب ، في سوريا ، في ليبيا ، في اليمن . أطفال ربما تحاول بعض الجهات أن تسدل الستارة السوداء ، على الواقع المر الذي يحيونه ، بتنظيم هكذا احتفالات ومنح هكذا جوائز،  تكون بمثابة المساحيق التي تجمل وجه الحقيقة المشوه ، ما يغرق فيه العالم العربي من حروب وتهميش وتهجير قصري ، لآلاف الأبرياء من لأطفال ، الذين يتعرضون يوميا وعلى مدار الساعة ، للاغتصاب للتجويع ، للترهيب للتقتيل . فهل تمحو اليد الممدودة بالكتاب والجائزة ، ما تقترفه اليد الضاغطة على الزناد لتطلق الرصاص والقنابل ؟ وهل لهؤلاء بيد تبسط بكتاب ، بورقة بوردة أو بقرار إيقاف الحروب ، التي تدمر النفوس وتخرب العقول ، وتجعل التفكير في القراءة من الكماليات .
 
تصبحون على وطن من علم ونور ونجاح . أهنئكم بالسلامة من عارالجهل وظلمته. شعارنا : " خير جليس في الزمان كتاب."  
 
 




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة