أضيف في 24 فبراير 2019 الساعة 12:14


الموت ...(2)


بقلم: يطو لمغاري

الموت: معنى الحروف المكونة للموت هي: من فعل مات، وفي تقطيعه نجد:

م: ورق الشجر أو ما يظهر منه.

ا: الواحد من كل شيء أو الرجل الفرد.

ت: المرأة السليطة. وقيل البقرة التي تحلب دائما.

إذن، مات يعني: سقوط ورقة الفرد على يد المرأة السليطة، التي لاتتوقف عن العمل. ومات: فات، كان. وكان فعل ماض ناقص. ناقصة إذن هي الحياة. ريشة في مهب ريح الموت. قشة تافهة في كومة. نقطة ماء في يم متلاطم الأمواج. والحياة حلم جميل. نعم، لكنه قصير.. ورقة واهية لاتساوي شيئا. لاتستحق أن نتحارب عليها أو نتقاتل، أو نتصارع من أجلها. الحياة حية رقطاء أو ممر مشمس، لمحة بصر، يعيشها الإنسان بين الولادة والممات. شريط يربط بين البداية والنهاية. يغري الحي. أيها الإنسان النقي الشقي البقي هناك، تأمل: إن الموت: رمز، معنى، مغزى. والحياة: نسمة نتنشقها. سكرة نثمل بها. شهوة تأخذنا وتخذلنا. أيها السكران الثمل يا الإنسان: أفق من نشوتك، إن مآلك إلى زوال.

الموت: الموت والجغرافيا: الظواهر الطبيعية، لم تتأثر بحدث الموت، ولم تشاركني أحزاني. الشمس ظلت مشرقة ولم تغرب، والريح استمر يلاعب أوراق الشجر، ينعشها ينشر الحياة بين أغصانها. والطيور تطير وتطير،  تحلق تزقزق، تغرد وكأن أحدا لم يمت. آه كم أنت عصية أيتها الطبيعة، عن مشاركة الإنسان في أحزانه!. ناكرة للجميل. فكم فرحت لإشراقة الشمس، وتغريدة الطير، ونسمة الريح. وسعدت بهبة أغصان الشجر،  ورقرقة الماء على جنبات الصخر !. الموت إذن حدث طبيعي بالنسبة للطبيعة، لايحزنها ولا يوقف دورتها. فلا الأرض توقفت عن الدوران، ولا الكون تعطلت مجرياته، والكل يصدح: وتستمر الحياة. صعبة هي وحدة الأحزان. فالموت، لا يشعر بقسوتها إلا من رزئ في حبيب. لا أحد ولا كائن،  يستطيع أن يحمل معك وزر الموت.

الموت: هي الوقفة النقرة، الصفعة الضربة، الصرخة الومضة، السكتة اللمسة، النوبة التوبة، القفزة الدفعة الرحلة الرجعة، الرجفة الشهقة، النومة الرقدة، اللحظة الخدعة، الرهبة النعمة النقمة، الصدمة حذر الموت.  وللموت وجهان، الأول هي أنها للأحياء: شقاء بكاء، هباء دموع أحزان...الوجه الثاني هي أنها للأموات: شفاء نقاء، هواء صفاء دواء، نماء بقاء لقاء. خلاص حرية فوز، أمن أمان بداية مقدسة، فضيلة خير نجاة ملكوت نور، رحابة وسع فضل وفضيلة. خلود راحة، قدوم عود، والعود أحمد. إن الموت فارق أو فيصل بين البين، بين التشاؤم والتفاؤل. هي التشاؤل إذن. شعارها: " حينما تضيق الأرض بأهلهاعلى ما رحبت، فالسماء أوسع وأرحب ".

الموت: المغاربة والموت: يتشاءمون منه يرمزون إليه بالبومة والغراب، واللون الأسود، والحذاء المقلوب...وزيارة الموتى في المنام، خاصة إذا أخذوا منك شيئا أو أحدا...وأستشهد هنا بشعرالزجال عبد الرحمن المجذوب، مجذوب المغاربة خلال القرن السادس عشر الميلادي توفي 1578سنة م يقول:

لا تخمم لا ترفد الهم ديما،

الفلك ماهو مسمر ولا الدنيا مالها قيما.

الارض فدان ربي والخلق مجموع فيها،

عزرائين حصاد فريد، مطامرو فكل جيها.

يعتقد المغاربة أن الموت وحدها المشكلة التي تبدأ كبيرة، وتصغر مع الزمن إلى أن تتلاشى. كما يعتقدون أن الموت شبيهة  بالنوم، تقول أمي " النعاس خو الموت ".

الموت: الحياة والموت، من النقيض إلى النقيض، إذا كانت الحياة غرور إغراء، إفتراء كذبة دسيسة، شقاء دهاء. فإن الموت رفض إكتفاء إرتقاء، سخاء صفاء جلاء، قداس خلاص صدق، حق  نور وضوح، حقيقة بياض طهارة، غفران ولادة جديدة، بداية. هي الكفاف العفاف. والموت انشطار. ومنشطر هو الإنسان / الميت بين لوعة الفراق وفرحة اللقاء. فراق الزوجة والأبناء والأحفاد والأصدقاء. ولقاء الميتين السابقين: الأم الأب،الأخ الأخت الجد الجدة، والسابقين إلى آدم الأب الاكبر. يستمتع باللقاء وينسى. فالموت نسيان.

الموت: طقوس الموت: حشرجات الموت، سكرات الموت، الرؤيا المتكررة للطبيعة الغناء: البحار الزرقاء، الأنهار الجارية، الأشجار المثمرة الوارفة. يتحدث المحيطون بالمحتضر عن ملاك الموت. الجسد المسجى.  ماء الغسل الكفن، القبر المقبرة الحفر،  حفار القبور. المشيعون، البكاء، الدعاء، الشاهدة. في الليل يقام العزاء تقدم القهوة السوداء، وبعدها وجبة الكسكس الذي يهيئه الجيران: " تراب الفم " في العامية المغربية. لأن أهل الميت  لايطبخون في المنزل، كي لاتسكن الموت أرجائه. ليلة اليوم الثاني يقام العشاء، عشاء الميت في قبره، من طرف أهله يدعون كل من ساندهم، من الأهل والجيران والمعارف. في صبيحة اليوم الثالث يزار القبر يسمى يوم التفريق، يفرق الخبز الساخن المحشو بالثمر وحبات التين، ويرش القبر بماء الزهر وتشعل على جنباته أعواد الند، وتزرع على تربته نباتات: إكليل الجبل، الريحان والعِطرية(العطرشة ). يتجدد البكاء والنحيب والعزاء، وترفع الدعوات بالرحمة للفقيد، وبالصبر والسلوان لأهله وذويه. تقدم الصدقات لقارئي القرآن، وزارعي النباتات، وجالبي الماء، والمتسولون والمتسولات. جيش عرمرم تحتاج معه إلى بنك متنقل لتوفي الطلبات. وأنت في المقبرة مورد رزق للعديد من الأفواه. يستغلون تأثرك بفقدان عزيزك، وانشغالك بالمراسيم، فيحاولون استنزافك وإذا أعلنت احتجاجك، ينظرون إليك على أنك ضد الصدقة ضد الخير، ضد الميت ضد الدين.

الموت: الجسد والروح: الجسد حمل ثقيل مثقل بالأخطاء والأمنيات، يحتاج إلى الماء والهواء لتطهيره. لكن  الروح خفيفة  لاتحتاج لاماء ولاهواء.هي قطرة الندى، نسمة الأوكسجين، ريح الجنة وروح الكون. تكلًف بمهمة تؤديها على أكمل وجه، وبدقة عالية لاتزيد ولاتنقص، لاتحاور لاتطالب لاتحتج. ثم تعود في الوقت بالدقيقة والثانية. تطوي المسافات تسافر عبر الزمن الضوئي، البلوري الرصاصي، لاتتعب لاتتيأس، لاتمرض لاتشيخ، لاتهلك لاتموت، لاتحتاج الى طبيب. هي الداء والدواء، ترفض أن تقيد في كفن، أوأن تحبس في لحد. لذلك فالموت: انفصال بين المادي واللامادي في الإنسان، بين الروح والجسد. إنه الانكسار الانشطار، الردى الصدى السدى الهدى. تنزع الروح إلى الخلود فتسافر. وينزع الجسد إلى الزوال، فيسقط يقبر، يذوب في التراب ويتلاشى. الأم تستر ابنها تحميه تغطيه، تبتلعه كحبة إسبرين منعشة. خيط رفيع يفصل بين الميت والحي. شعرة واهية تجمع بين الحي والميت فينا. والإنسان ذلك النسي المنسي النسيان.

الموت:  ترتيب ما خفي. هو للأحياء ترتيب: الممتلكات المشاعر، الأفكار العلاقات، البرامج المخططات، الأحلام والأمنيات، ترتيب أولويات الحياة باعتبارها السفر القصير. وهو للأموات:  تخفيف العبء على الأرض حتى لاتغرق في الهاوية، أوتسقط في العدم. فيضحي بعض أبنائها لتعيش البقية الباقية. يضحون بحياتهم من أجل الآخرين. لذلك يقال: " فلان أعطاك عمره ". يعني فلان مات، والبقية في حياتك، أو البركة في الباقين، ذلك لأن الأرض تجدد نفسها بعد كل موت. وتتهيأ لاستقبال القادمين الجدد، الأحياء على ظهرها، والأموات في بطنها. أو ليست الأرض مقبرة كبيرة ؟ يقول الشاعر أبو العلاء المعري في قصيدته الرثائية الشهيرة:

غير مجد في ملتي واعتقادي // نوح باك ولاترنم شاد

خفف الوطء ما أظن أديم ال // أرض إلا من هذه الأجساد.

سر إن اسطعت في الهواء رويدا // لااختيالا على رفاة العباد.

تعب كلها الحياة فما أع // جب إلا من راغب في ازدياد

الموت: الموت والإبداع. من أقوى الإبداعات في الموت " سمفونية الموت " أو " القداس الجنائزي "  التي أبدعها الموسيقي النمساوي موزارت ( 1756-1791 م)، وهو على فراش الموت سنة 1791م. ولأنه يبدع في صمت صوتا موسيقيا صاخبا. وأنا أستمع إلى السمفونية، أستمتع بصوت الصمت يأتي من الأعماق تجلله الحكمة. واقفة على حد فاصل بين الموت والحياة. بين الغياب والتجلي. عالم من النغم التراجيدي، يرفع العدة الأوركسترالية، بعازفيها الملتئمين في بوح واحد. صعود ونزول، نزول وصعود،  في سجال بين صعود الروح، واسترجاع الميت للحياة. تواتر بين الصمت والصوت. صعود ثم هبوط. هبوط فصعود. سجال ملحمي كورالي ملائكي، يسجل لحظة الوداع الأخير. وكأني بصوت الميت يقول: إني أرحل أرحل أرحل، خفيفا طاهرا، معافى منتصرا على: المرض الحزن التعب، البرد الخوف الرعب، الجوع المغص النغص، الانتظار الفراق الحلم، البؤس الفراق الخصام، الضيق القلق الغضب، العذاب النفسي والروحي، الكره والكراهية. وأتطهر أتحرر، أنزع الجسد المثقل بالأخطاء والأمنيات، والحسابات. إذ تحلق الروح حرة خفيفة، طليقة نقية، سليمة عفيفة.

الموت: أنا والموت: ويجيء الخبر، ياسيدات وياسادة، وأنا على بعد حوالي 800 كلم من الميت أبي: أبكي أصرخ، أصفع أضرب، أسقط أشكو، أتلوى أتشوى، ألوم أذوب أتوب، أجري أجن أحن، أسقط أنهض، أقف أرى لا أرى. أسأل أتساءل أسائل. أتكلم أتمتم أهمهم. أتذكر أتفكر أتعثر. أصيح أكبر أصغر. أضيع أجوع أعطش. أصمت أشخص أجهش بالكلمات. أصاب أشيخ أنيخ. أحيد أميد، أطلب أرهب أركب، أشرب نخب الردى مُرًا عَلقما.  ولأن الموت شوق واشتياق. أشتاق إلى أبي، أظل أردد: أحن إلى كلام أبي، أحن إلى سلام أبي، إلى وداع أبي إلى...أبي. أبي أيها الراحل المخلص والمخَلًص، وداعا وإلى لقاء سرمدي لاينتهي. لقاء، لاتغازلنا  فيه الحياة. ولاتباغتنا فيه الموت. لايلفظنا فيه المستشفى الموبوء. لانحتاج فيه إلى علم الطب الفاشل، ولا إلى علم الرياضيات، ولا إلى علم الفيزيولوجيا، البيولوجيا، التكنولوجيا،الفونولوجيا، الأنطروبولوجيا...

وداعا ياأبي وإلى لقاء

وداعا يا أبي وإلى لقاء

وداعا يا أبي وإلى لقاء...




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة