أضيف في 31 ماي 2019 الساعة 13:43


المسجد الأعظم بتارودانت: الصرح الحضاري الشاهد على المكانة المركزية لبيوت الله لدى الأمة المغربية


بقلم : حسن هرماس / و م ع

ظل المسجد الأعظم بمدينة تارودانت خلال قرون متتالية معلمة حضارية ذات وظائف متعددة ،لم يقتصر وقعها على الصعيد المحلي ولا حتى الوطني ، بل امتد تأثير هذا الصرح الحضاري الشامخ عبر حلقات تاريخه المتتالية ليشمل أصقاع مختلفة امتدت لتغطي جزءا هاما من محيط الرقعة الجغرافية العربية ، إلى جانب ما يعرف في الأدبيات التاريخية ببلاد السودان.

فالمسجد الأعظم ، أو "الجامع الكبير" كما دأب أهل تارودانت على تسميته ، لم يكن مجرد بناية تقام فيها الصلوات الخمس ، ويرتل فيها القرآن الكريم ، ويتعلم فيها الافراد شؤون الدين والقراءة والكتابة... ، بل كانت هذه المعلمة الحضارية الشامخة خلال قرون مضت ، فضلا عما سبقت الإشارة إليه ، عبارة عن مؤسسة جامعية لتلقين مختلف التخصصات الأدبية والعلمية ، حيث كان يشرف على الحلقات الدراسية بالمسجد صفوة العلماء المرموقين من داخل المغرب وخارجه ، كما كان يفد عليه طلبة العلم من الداخل والخارج.

هذا الجامع ، الذي بلغ أوج إشعاعه الحضاري إبان فترة حكم الدولة السعدية ، التي اتخذت من مدينة تارودانت عاصمة ملكها لفترة محددة سميت خلالها مدينة تارودانت ب"المحمدية" نسبة إلى السلطان محمد الشيخ السعدي ، كان ايضا عبارة عن "مؤسسة تشريعية " لسن القوانين وتنظيم شؤون والمعاملات ، وبورصة لعقد الصفقات ، كما كان بمثابة أكاديمية عسكرية لحشد همم المجاهدين ومواجهة الغزاة المحتلين للثغور الشاطئية المغربية .

لا يعرف بالتحديد التاريخ الذي بنى فيه المسجد الأعظم لتارودانت، الذي تشير الابحاث التاريخية إلى أن فوق منبره كانت تقرأ الظهائر السلطانية وبين منبره ومحرابه تؤخذ البيعة ويعقد الصلح . لكن المؤكد أنه شيد قبل زمن الدولة السعدية ، ومما يدل على ذلك أن مؤرخي هذه الفترة الزمنية من تاريخ المغرب في العصر الوسيط كانوا يصفونه ب"المسجد العتيق " .

وسار في هذا الاتجاه المؤرخ العلامة الراحل سيدي محمد المختار السوسي الذي تحدث عن المسجد الأعظم في الجزء الرابع من مؤلفه المرجعي "خلال جزولة " حيث قال " ... الجامع الكبير العتيق ، وهو قديم وإنما جدده محمد الشيخ ، حيث أعاد العمارة إلى هذه المدينة في القرن العاشر ، وهو كبير وعليه طلاوة . ويبدو أن تاريخ بناءه يعود إلى عهد الدولة الموحدية . ويؤيد ذلك شكل صومعته المربعة القاعدة ، وانسجام نسبة طول قاعدتها 5,50 م إلى ارتفاعها (27م) ، مع المبدأ الموحدي في التناسب ، وانحراف قبلته إلى الجنوب ".

وتفيد الابحاث التاريخية أنه خلال فترة حكم الدولة السعدية ، ألحقت بالمسجد مدرسة كان المتفوقون والنوابغ من طلبتها وخريجيها يتولون المناصب العليا في الدولة . كما ألحقت بهذه المدرسة مكتبة الجامع التي كانت تضم العديد من نفائس المخطوطات التي قام بتحبيسها الملوك السعديين والعلويين ، حيث لازالت الحوالة الحبسية الرودانية تتضمن بعضا من جداول هذه الكتب المحبسة .

خضع هذا "الجامع الكبير " عبر التاريخ لعمليات توسيع وترميم عديدة أجريت أكبرها في عهد السعديين والعلويين . وفي هذا الصدد يقول الباحث محمد العدناني إن السلطان محمد الشيخ السعدي جدد الجامع ووسعه على النمط الذي هو عليه الآن ، حين أعاد العمارة إلى مدينة تارودانت في القرن العاشر الهجري.

وأضاف الأستاذ العدناني أنه في بداية عهد الدولة العلوية خضع المسجد الجامع لإصلاحات وترميمات عديدة في سنة 1660 م ، حين أضاف إليه السلطان المولى الرشيد ثلاثة قبب... أما في عهد السلطان مولاي يوسف فقد تم ترميم بعض سقوفه المتداعية للسقوط على يد بنائين ومزخرفين مهرة استقدموا من فاس ومراكش .

وفي سنة 1364 هجرية ، الموافق لمارس 1945 ميلادية ، تفقد بناية المسجد الأعظم بتارودانت جلالة المغفور له محمد الخامس قدس الله روحه ، فأصدر أمره لإدارة الأحباس بالعمل فورا على إنقاذ هذه المعلمة الدينية . تلتها زيارة أخرى لأب الأمة خلال سنة 1959 بمناسبة وضع جلالته طيب الله ثراه للحجر الاساس لبناء معهد محمد الخامس للتعليم الاصيل بتارودانت ، حيث أدى فيه جلالة الملك الراحل صلاة الجمعة التي ألقى خطبتها العلامة الراحل سيدي محمد المختار السوسي.

وكانت آخر عملية ترميم وإصلاح خضع لها المسجد الأعظم بتارودانت قد تمت ابتداء من ابريل 2002 ، حيث رصد لها غلاف مالي من ميزانية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية قدره 2 ر7 مليون درهم ، حيث روعي في عملية الترميم الحفاظ على الطراز الأصلي للمسجد سواء في ما يتعلق بالعمارة ، أو النقوش والزخارف التي تزين السقوف والجدران والأبواب والصومعة .

وسيرا على نهج سلاطين وملوك الدولة العلوية في العناية والاهتمام ببيوت الله ، ترأس أمير المؤمنين ، جلالة الملك محمد السادس يوم 30 أكتوبر 2005 حفلا دينيا كبيرا بالمسجد الأعظم بتارودانت ،إحياء لليلة القدر المباركة.

وشاءت الأقدار أن يستفيق سكان مدينة تارودانت صبيحة يوم الثلاثاء 7 ماي من سنة 2013 على خبر مفجع مفاده اندلاع حريق في المسجد الأعظم بتارودانت بسبب ما يعتقد أنه تماس كهربائي ، حيث أتى الحريق على الجامع بكامله مخلفا حسرة كبيرة في نفوس سكان ترودانت، وعموم المواطنين المغاربة الذين بلغهم خبر الفاجعة.

وبمجرد ما تم الانتهاء من خبرة تقييم الخسائر التي نجمت عن الحريق ، والتي بدأت في اليوم الموالي لهذه الفاجعة ، والتي تم رفعها إلى أمير المؤمنين ، بادر جلالة الملك محمد السادس بإعطاء أوامره السامية إلى وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية بأن تتم إعادة بناء المسجد الأعظم بتارودانت بتطابق تام مع المعمار التاريخي للمسجد ، وأن لا تتعدى مدة الدراسات والمساطر وإعادة البناء أربعة وعشرين شهرا . كما تفضل أمير المؤمنين فقرر بأن يكون الإنفاق على إعادة البناء من ماله الخاص.

وبفضل هذه المكرمة المولوية ، استعاد المسجد الأعظم لمدينة تارودانت رونقه ، كما عاد لأداء وظيفته الدينة وفي مقدمتها إقامة الصلوات الخمس ، وباقي الصلوات الأخرى حيث يتسع لحوالي 4000 مصل ، فضلا عن احتضانه لمجالس الوعظ والإرشاد ، وإحياء الحفلات الدينية مثل ليلة القدر المباركة ، وحلول السنة الهجرية ، وذكرى الإسراء والمعراج ، إلى جانب بعض التظاهرات الدينية الوطنية من قبيل الموسم السنوى للمدارس العلمية العتيقة التي يشارك فيها نخبة من العلماء والفقهاء والوعاظ ، إلى جانب المئات طلبة المدارس العلمية من كافة جهات المملكة.

ومع ـ حســــــــن هرماس

الصور : حسن نجم الدين





 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة