أضيف في 22 شتنبر 2019 الساعة 08:48


أحمد الحدري يكتب: صفقات على ضفة البحر


بقلم - أحمد الحدري

على شرفة مطلة على البحر كنت جالسا أراقب المدعوين للحفل الفاخر الذي أقامه أحد الأصدقاء القدامى، الذي فرقت بيني وبينه الأيام، هو استمر في الدراسة لأنه ابن طبقة غنية، الى ان أصبح دكتورا في الاقتصاد ومن بعدها خبيرا لذا اكثر من شركة وصندوق، اما انا فقد ولجت مركز تكوين الموظفين الصغار مباشرة بعد حصولي على شهادة الباكالوريا؛ كانت معارفه كلها من الطبقة العليا ،شخصيات من عالم المال والسياسة ؛نساءا ورجالا .

من جهتي، كانت معارفي كلها من الطبقات الدنيا والوسطى الى حد ما في المجتمع، كنا نحن نطالب بما يجب أن يكون ونستمع بإمعان لخطاب النخبة القيادية في المجتمع، نناقش ونحلل ما تقول وما تفعل، وكنا ولا زلنا فرقا شتى، كل فرقة تتبنى وجهة نظر نخبة من النخب ضنا منا انها أي النخبة تملك وحدها كل أسرار اللعبة السياسية في هذا البلد، الى أن جاء المارد الاعلامي الجديد وكشف عورتها.

من على الشرفة المطلة على البحر كنت أراقب أفواج علية القوم وهم يتوافدون على إقامة صديقي المليونير ، رجال اعمال وسياسيين ونساء من مختلف المراتب العليا، لكن في هذه الليلة كانت كل المراتب قد اختفت وراء أنوثتهن الفاتنة والمغرية، وكان من بينهن من لفتت انتباهي من بين كل الحسنوات، في مشيتها والتفاتتها، كانت ترتدي فستانا أسود مزركش مشدود شيئا ما الى الوراء، وعلى كتفيها كانت تلبس فوق هذ الفستان معطفا قصيرا من فرو الدببة القطبية وبيدها حقيبة رمادية من جلد التمساح ، كان صديقي الدكتور قد أراد أن يؤكد لي أن هذه النخبة التي اعتقدت يوما انها تمثلني وتتحدث باسمي في محافل الداخل والخارج، ليست الا دمى آدمية تحركها قوى خفية من وراء الستار، وأن أكبر همها عندما يخيم الليل لا يتجاوز التفكير في إشباع غرائزها من جمع الثروات والتمتع بالملذات باستخدام كل الوسائل الميكيافيلية، فنجح في ذلك بامتياز دون أن يشعرني بالخجل، لكنني في اعماق نفسي خجلت من نفسي لكوني كنت أبلها طيلة هذه السنين .

وبينما انتهت فترة الاستقبال أشار الي صديقي بالنزول ليعرفني على بعض أصدقائه، فكان أول من قدم لي من أصدقائه، صاحبة الفرو الأبيض، امرأة في عمر الأربعين، لكن جمالها ورشاقتها لا يوحيان بأنها بلغت الأربعين، بشعر بني يميل الى الصفرة منسدل على الأكتاف، وعينين زرقاوان وصدر ممتلئ بقامتها الطويلة، كانت تقف على مقربة من حائط صغير مواجه للحديقة، قدمها لي صديقي على انها تشتغل في قطاع المال والأعمال، بينما قدمني لها بالصفة التي انا عليها، كان الاقتراب منها واستنشاق عطرها الخارق من على مسافة متر وزيادة كاف لجعلك
تصاب بشيء من الدوخة، خاصة وأنني قادم من عالم مختلف، رغم اننا نعيش على نفس الارض وتحت نفس السماء، الا ان هذا التقسيم الطبقي قد جعلنا نعيش في عوالم مختلفة، كل عالم يبعد عن الآخر بمسافة سنة ضوئية.

وعلى مسافة غير بعيدة منها، كا يتحدث ثلاثة رجال  ببلداتهم الأنيقة ذات الطراز الأوروبي، كانا يمثلا جيل الستينات الذي أتم دراسته الجامعية العليا بجامعات أوروبا ومصر والعراق، ثم عاد ليشغل المناصب العليا في الدولة وفِي الهيئات السياسية والنقابية والإعلامية وغيرها من المناصب، كانت كل أحاديثهم باللغات الأجنبية خاصة منها الفرنسية، وكانت كل أحاديثهم منصبة على الصفقات واحتياجات السوق، وبصفة عامة كل مايتعلق بعالم المال والأعمال .

بعد برهة من هذا التعارف والمجاملة اتجهت الى احدى  الموائد الفارغة كي أجلس وأراقب ما يحدث، أغلب المدعوين كانوا واقفين مستمتعون بأنغام الموسيقى الصامتة، وتناول بعض المشروبات المختلفة الألوان يطوف بها بعض النادلين على المدعوين، قبل ان تبدأ لحظة الرقص الفردي والثنائي، ثم تناول العشاء والاستماع لكلمات بعض  الشخصيات حول قضايا الاستثمار وكميات الأموال المخصصة له وكيفية التباري للحصول على الصفقات .

لا شيء كان يهمني في هذه الليلة سوى معرفة مستوى تفكير  واهتمام هذه النخبة المخملية بمستقبلنا نحن الشعب، لتؤكد لي صاحبة الفرو الأبيض التي جاءت لتجلس الى جانبي ،أن ما أراه اليوم بعيني هو حقيقة ما عليه هذه النخبة التي تقود المجتمع، انها نخبة لا يهمها الا مراكمة الثروة وإقامة المشاريع الخاصة على حساب المشاريع العامة، أخبرتني بأنها قدمت خصيصا للفوز باحدى الصفقات من بعض القطاعات العامة التي يسيرها احد المدعوين هذه الليلة.

قبل أن تقوم من مكانها  لتقابل الشخصية التي جاءت من أجلها، قدمت لي بطاقة الزيارة الخاصة بها وطلبت مني أن أزورها في مكتبها .

عندما أفقت من النوم في الصباح الموالي بإقامة صديقي التي قضيت بها الليلة الماضية، وجدت نفسي وحيدا بها، الا  قلة من عمال الإقامة يجمعون بقايا أمسية البارحة، أحسست وكأنني كنت في حلم، وتمنيت لو أنني ما خضت هذه التجربة وبقيت على بلاهتي المعهودة نحو هذه النخبة التي تدعي الوطنية والغيرة على الوطن وماعليه .

مع تحيات أحمد الحدري المغربي




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة