أضيف في 21 نونبر 2019 الساعة 01:26


السيدة حضارة....


بقلم : يطو لمغاري

السيدة حضارة: تربكنا تزعجنا، تضعفنا تصغرنا، تتلفنا تحرجنا، فننصاع لها. تطلق علينا وسائلها الحربية الهجومية حتما وطبعا: الأضواء القوية تربك أبصارنا. الموسيقى الصاخبة بإيقاعات غربية: نغني غربي، نرقص غربي، ونمرح نفرح، نصدح نمزح، ونحن نشتري ندفع نؤدي. الألوان الصاخبة، الفوشيا، الفيولي، الزهري، الأخضر الملكي والأزرق الملكي...، بضعفنا نضيع ثقافتنا، وننقاد لكل ما هو غربي. تقذفنا السيدة حضارة،  فننحني لها ننبطح، نقبل أرجلها البيضاء الناعمة. تعرينا بذريعة الموضة ونقبل، تنتف جلدنا، تثقب جيوبنا، تسرق أموالنا ونقبل، ونظل على عهد القبول مخلصين. تصفعنا تدفعنا، تسقطنا أرضا تزيلنا من طريقها. تستخدمنا، أصبحنا الوسيلة والوسيطة، السلعة، الشاري والمشتري، والبائع في نفس الوقت. نحن في أعراف الرأسمالية والسيدة حضارة: الكل في الكل: الخدم والحشم. ونلهث نتهافت، نتكالب نجثم نلثم، نجثو نتهالك.

السيدة حضارة:...ويوقفنا حارس الباب محتجا، بعدما دقت رنات آلة المراقبة، قائلا: هناك مشكل " يامدام " في حقيبة مشترياتكم ؟؟. يأخذ الحقيبة يفتشها وتسكت السيدة، ثم يتضح أن الخطأ من الفتاة البائعة، وتسكت السيدة،  وتأخذ المشتريات وتذهب، لاتحتج بإرجاعها أو برميها عند عتبة باب السيدة موضة، وأمها السيدة حضارة، ووصيفتهما الماركة المسجلة، لائذة بالصمت تمضي السيدة في طريقعها، الخرس يصيب أفراد الأسرة، وهو حال أغلب الناس، الانهماك الانهمار، الإلهاء، الغفلة الحرمان، الأثر النسيان، اللهفة أكثر إلحاحا من الواقع، والمشاعر تلبس لباسا جديدا وغريبا، يُشرعن هجوم العبودية الهوجاء، يقنعنا بأننا إذا لم نقبل الحضارة، فإننا عبدة التخلف والدونية المتوحشة. إنها مبررات السيدة حضارة، التي تهدد ثقافتنا وتجعلها الثقافة الآيلة للسقوط.

السيدة حضارة:...وكفرنا، كفرنا بالأمومة بالأبوة، بالبنوة بالأخوة بالعمومة، بالصداقة بالزمالة، وأصبحنا أحاديي الجانب، تماما كوحيد القرن، المهدد بالإنقراض في أدغال إفريقيا. "...كل واحد غادي مع راسو والموبايل فيدو " يتابع الأخبار يتواصل مع البعيدين، لاينتبه لايرى، لايسمع لايكلم، لايتواصل مع القريبين المتجسدين أمامه، جسدا روحا وعقلا إنسانا كاملا، ولايستهويه إلا اللامادي البعيد، يحن إليه يناديه يناجيه يناغيه، يحابيه يبادله من المشاعر، مالا يبادله مع الذين يشتركون معه نفس المسكن. من النقيض إلى النقيض. عندما يطول المرض، مرض الحضارة، والتعلق بالتكنولوجيا، يدير الناس وجوههم نحوالمتعة الزائفة الزائلة الزائدة، يبدون وقد أفلت منهم زمام الأمور، وتغيب المبادئ الإنسانية: الحنان الحب، العطف المودة، التسامح العدل، التعاون الصراحة، الفرحة الحقيقة، التطوع المشاركة. وتطغى المبادئ الناقصة: الجشع القلق، الكذب الغش، التدليس، الغدر الخيانة، القهر " الحكرة "،الرداءة الدناءة، التردد الفوضى الضجيج، السرعة العجلة. إنه العقاب الجماعي، الذي يجره طاعون الحضارة، إذا لم نره، سنكون عميانا أو جبناء أو مجانين.

السيدة حضارة: المدنية العليلة، تسير بخطى سريعة، خاصة حينما تتماهى مع شره التكنولوجيا، إنها السخرية الذهول، الأحداث المذهلة، الزائر الثقيل الإعلام، الإتهام النهم. المدنية النائمة، تستيقظ يلفها الغموض، مدفوعة بالتقدم المفاجئ. يعم التردد التعثر، الترنح الضجيج، الضوضاء الإضطراب، فحيح الأفعى، يقود القافلة، دليلها نور الجمال، يسطع بقوة يعمي العيون. والفتيات الجميلات، دليلات كل جديد متدربات محنكات، يعلمننا دخول الحضارة الغربية، نلج عالم الموضة في ثورة هادئة ناعمة الملمس، ونحن كما كلب بافلوف، نستجيب بسرعة للمثير، منساقين منقادين منصاعين، دون قيد أوشرط، مشدوهين يسيل لعابنا، عند كل معروضات العالم، وفي مجالات متضاربة سريعة الإيقاع: اللباس، الزينة، الأحذية الماكياج، ملابس استقبال الضيوف للنهار، وملابس الليل والسهرة، ملابس الرياضة ملابس البحر، ملابس الصيف، ملابس الربيع، ملابس الخريف، وملابس الشتاء: المعاطف بالفورير، الحقائب اليدوية، بجلد الثعبان أو الزرافة أوحتى الغزال. المهم أن ندفع "الفلوس"، ونغض الطرف عن انقراض الحيوانات، وتدهور التنوع البيولوجي، وإن أفلست الطبيعة، أو البيئة لايهم. تهنا بين عوالم المشتريات: عالم الأفرشة، الأواني المنزلية، عالم الديكور. دخنا وداخت بنا الأوقات، " وحنا اللي كنا نلبسو الدربالة والحايك، غير فالخمسينات من القرن العشرين، دارت بينا الدايرة وترمينا فرحى كبيرة، سميتها ": العولمة وتوابعها الحضارة، التقدم، التكنولوجيا، إنها الملهاة الكبرى: لبسنا آخر صيحات الموضة، حملنا آخر الموبيلات، ودخلنا على المواقع الإجتماعية: الفايس بوك، الأنستاغرام، الواتساب السناب شات...، نعرض ونستعرض عرينا  وشوهتنا، حيث يحق فينا هنا الكلام الماثور:  " العكر عالخنونة " أو " من الحمارة للطيارة " أو " المشتاق إلى فاق مايدير تفاق ". 

السيدة حضارة: " يااسفين فين غادية بنا ؟؟؟"، أو تجري الرياح بما لاتشتهيه سفننا، وتشتد في وجهنا الرياح الموبوءة، يعم وباء التكنولوجيا يقتل فينا: العلم، القراءة التامل، الرياضة المشاعر، الإحساس الحب، التربية، الأخلاق، المبادئ. ونعيش في عالم زائف مزيف، الحقيقة أصبحت باهتة لامرئية، بل غائبة مغيبة. إنتشر القلق الشك الريبة، وفتح عالم من الإعلام الرخيص، لنشر الفضائح والفضائحيات، إفتعال النزاعات والخصومات، نوع من البروبكاندا والادعاءات والدعايات، إدعاء المرض: السرطان خاصة، المرض الذي يستحضر الموت، الهلع والخوف، خدمة للطب الغربي الزائف، ولشركات الأدوية التي تحركها مافيات منظمة، لصالح اللوبيات الرأسمالية الباحثة عن الأرباح،وإن من جيوب البائسين بوطننا، وبغيره من بلدان جنوب كرة الأرض. ويحق فينا الحجر النفسي. ونطالب بإعادة فتح بويا عمر، نُربط بالسلاسل، إلى الجدران القوية الصامتة الصامدة، ليس الرباط بمعنى الربطة الزغبية، أو الحب أو"بضاض " أو داكشي أوداكشي، ألاَ. ولكن نُربط حبا في التأمل في حال البائسين منا، وخاصة البائسات من النساء والبائسين من الأطفال. الذين يزج بهم في حال التحضر والتقدم بالعنف. 

السيدة حضارة: المدنية المدسوسة: نستهلك ونهلك، لأننا لسنا أصحاب المجال، ولا أهل الدار، بل العار في هذا العالم، عالم الألفية الثالثة، مطلع القرن الحادي والعشرين هو الزمان، والمكان المغرب، أبناؤه المغاربة. لانقاوم لانواجه لانجابه، لانكافح لانناضل، لا نمانع لا نعاند. بل نغازل نجامل، نقبل كل ما يعرض علينا، نركب العصا السحرية، مقدمة من الأخ الأكبر،  تنطلق بنا نحو المجهول. لكن، عندما تتعطل أداة التحكم، أو يتم تعطيلها بالأحرى، نسقط في الأطلنتي يتلقفنا الحوت الأزرق، يسحقنا ونصبح في خبر كان: صدمة صفعة، صفقة صفحة، وانتهى.  كما قال أحد شخوص رواية "الطاعون" للكاتب الفرنسي ألبير كامي " إخوتي إنكم ترزحون في التعاسة، إخوتي إنكم تستحقونها. ". المدنية المصدومة المصكوكة، المكلومة المكفولة، المذمومة المذبوحة، المذلولة المذعورة، المسمومة الممسوسة، المسعورة المسلوبة، الهدورة المهووسة المهلوكة، المغلولة المغدورة المغشوشة، المحمومة المحروقة المحشورة، المبوءة الموءودة الموعودة.

تصبحون على وطن: من حضارة مغربية مواطنة إنسانية. أهنئكم بالسلامة من آفة التقليد والدونية والتبعية. شعارنا: نعم للاستقلالية، وحفظ كرامة الإنسان. لا للإمبريالية الجديدة.




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة