حصيلة فيروس كورونا في المغرب

1021
حالات الإصابة المؤكدة
70
الوفيات
76
المتعافون


أضيف في 30 دجنبر 2019 الساعة 02:06


تـافـلاكـت.. العمق الزمني والامتداد المائي والارتباطات المجالية/ج4


حديث مع الصورة // علي هرماس – صور محمد المختار الغالب

3- ارتباطات اجتماعية/تتمة:

ضمن اطار رفع مستوى الوعي الجماعي بأهمية النظافة في جميع تجلياتها، حرصت فرنسا أثناء تهيئتها مجرى ساقية تافلاكت وفق النموذج العصري الحالي، على برمجت ما سمي "الصبانات"، مساحتها(6م×4م )×2 يفصل بينهما صهريج  لغرف ماء التنظيف، الصهريج موصول مع الساقية بميزاب، "الصبانات" هي أماكن تنظيف الغطاء والكساء والملبس والمفرش وصوف الدّرازة ، في فترة الخريف والشتاء تعرف "الصبانات" ضغطا مكثفا لتنظيف قفاف معاصر الزيتون التقليدية، 1960 كان بتارودانت قرابة 60 معصرة، هذه الحرفة الموسمية امتهنها عدد من أصحاب تدبير حال المعاش/طالب معاشه، الذين يطوفون بالدواب على المعاصر لجمع القفاف وتنظيفها في "الصبانات"، فتطفوا في صهريج الماء بقايا قطر زيت الزيتون العالقة بالقفاف، فيما حثالة الطحن والمرج تهبط الى القعر، هكذا يتمكن طالب المعاش عقب تنظيف 20 أو 30 قفة من غرف لتر ونيف من "زيت العود جديدة" يخصصها للطهي، زائد لتر للأكل صدقة من صاحب المعصرة ، بالاضافة للأجرة المتفق عليها "بالعطش"، مصطلح ومفهوم يستمد دلالته المرجعية من ايام الاحتلال à la tache، يتدبر بالكل معاشه اليومي - انظر "مدونة شجرة الزيتون والمعاصر التقليدية تراث روداني ج1 و ج2"، أما محترف تنظيف الفراش رحمة الله عليه كان يدعى بوشتى، رجل نحيف البنية الجسمية، سريع المشي تخاله مهرولا، "صبانات" تارودانت كانت واحدة بباب الخميس بين المقبرتين مكان المسجد الحالي، والثانية بخرايجات اولاد بنونة/البخبخ خارج ثقب السور، والثالثة مباشرة أمام باب الزرقان الملك الذي يحيط به سور اسمنتي حاليا.

بعد مغادرة الفرنسيين أصحاب مشروع تافلاكت العصرية، زادت درجة الوعي بأهمية الحفاظ على نقاء الماء للسقي والشرب، ونظافته لغسل الثياب، فسرى به عرف العادة الذي يمنع منعا كليا غسل وتنظيف أي شيء كيفما كان مباشرة في ساقية تافلاكت، أو رمي شيء بها مهما كان ، أو تلويث الماء، لأن الساقية تقطع مناطق عديدة، قد يصادف الحال شخص عطشان فينحني ويغرف بكلتا يديه لإطفاء عطشه وارتواء ظمأه، أيضا قد يتوضأ منها، لأجله وغيره، ظل أناس تارودانت مند تاريخه 1951 أشد حرصا ليس فقط على نظافة مجاري السواقي عامة، بل طهارة مائها الذي يتفرع مصارف جر للاستسقاء، بعضها ينساب وسط الحومات نحو السقايات والحمامات العمومية// انظر مدونة "إثنوغرافية اجتماعية: الحمام الروداني نموذجا" ومنها ما يخترق فناء الدور السكنية لري العراصي والاستعمال السكني الداخلي. للحقيقة التاريخية، هذه فقط واحدة من ايجابيات فترة الحماية الفرنسية بتارودانت، الاشتغال على التوعية بأهمية النظافة كقاعدة عامة وقاية شاملة، كما نسجل جيلا كاملا 1930-1960من الرودانيين بالرغم من بساطة تفكيرهم، لم يمنع من امتلاكهم احساس الوعي بالمسؤولية الجماعية للمحافظة على المكاسب الايجابية ذات المنفعة العامة.

بدورنا نحن الجيل الموالي – السبعينات- من أطفال ويافعين، كانت تافلاكت ملاذنا لمتعة السباحة صيفا ، كل حومة/فرقة ومكانها المعلوم للسباحة، الجميع يتجنب التبول في مجرى الساقية أثناء السباحة مخافة مس الجن/تشيير حسب المعتقدات الشعبية، واذا اشتد العطش بأحدنا يغرف بضع حفنات زللا، ولما يحس بالجوع يبحث بين الأغصان أشجار الكرموس عن الرطب، عشرات الأشجار الأسود والأبيض كانت تمتد على طول الطريق ما بين سور المقبرتين وتافلاكت، قصة غرسها انظر مدونة "معالم المدنية بالحاضرة الرودانية" يونيو 2015.

4- ارتباطات بيئية:

أ‌- من أهم خصوصيات ساقية تافلاكت دون بقية المجاري المائية الأخرى بتارودانت كونها أزلية، ما سمح بنمو أعشاب مائية طفيلية بالجنبات وفي القعر، فيتحول المجرى لأحواض خصبة لتكاثر البعوض والحشرات والعوالق التي تقتات عليها أسماك المياه العذبة، هذه الأسماك ثلاثة أنواع كانت بتافلاكت حسب شاهدي العصر أبا محمد عبوني وسي ماد بنحفيظ البطولي وأكد شهادتهما كتابة الحاج العياشي بوالعضام في تعليق على مدونة الجزء الأول : منتصف القرن الماضي كان يتواجد بمجرى تافلاكت سمك الصنورanguille وكلب الماءsilure والسلمون المرقط moucheté la truite، كلها تسبح بتافلاكت، فيها تتكاثر وتكبر حجما وتزداد كثافة كلما توجهنا قبلة نحو المنبع ناحية اولاد عرفة؛ بهذه المنطقة برمج لامبروكي Lambroggi مهندس تافلاكت أبواب حديدية ضخمة لاتزال مكانها، يتم فتحها استثناء في دروة الصبيب شتاء لتصريف فائض الجريان نحو مجرى وادي سوس ، تفاديا للخسائر والاتلافات الزراعية التي دأبت تافلاكت على احداثها فيما سبق، هكذا تتسرب الأنواع الثلاث من سمك تافلاكت نحو وادي سوس، لتتكاثر من جديد بالوادي في بركة آسنة عرضها 40×40 خطوة، وعمقها الله أعلم به والحوت الذي يتكاثر فيه وسط مجرى وادي سوس حسب شاهدي العصر المذكورين آنفا، وقد شاهدنا بدورنا مطلع السبعينات بأحواض مقاطع الطرق –شوارج- كل من باب الخميس وأولاد بنونة والخريجات  عينة من هذه الأسماك، وان كان طولها لا يتعدى بضع سنتمترات.

ب‌- من الارتباطات البيئية أيضا لساقية تافلاكت قطيع غزلان، بعدما استوطن محمية كانت فرنسا اقتطعتها من بورة أهل تارودانت كمشتل غابوي - لاسطاح - من الكلية حاليا حتى حي البورة شمالا، استأمنت الغزلان المكان بوجود حارس الغابة، ووفرة عشب الكلأ، فاستمرأت المقام وتكاثرت حتى أضحت قطعانا تسري للشرب في ساقية تافلاكت  كلما لاح الظلام على المكان، في الصباح يعثر الناس على اثر أظلاف القوائم بالأماكن المبللة خاصة بمحاذاة "الصبانات"، أو كومة روث هنا وهناك بمحيط المقبرة؛ كما تجدر الاشارة أن فصل الربيع  يتفادى الناس رعي أغنامهم في بورة أهل تارودانت/لاسطاح خوفا من ضياعها وفقدان أثرها وسط خلجان عشب الخردل/كركاز، وأجمات النبق/السدر وبقية الحشائش الغابوية والأعشاب البرية التي تتشابك سيقانها وتتجاوز الغنم والماعز طولا، لذا يقتصر حينها الرعي على الأبقار فقط، ولما كانت وضعية الغطاء النباتي كثيف ببورة أهل تارودانت/ لاسطاح، سمحت بتكاثر الوحيش الغابوي من قطعان الغزلان وأسراب الحجل والأرانب البرية ولا أحد يبالي بها وبالأحرى قنصها، إضافة الى بقية القوارض الصغيرة التي تسكن الجحور كالقنافد والجرابيع، وتلك التي تسكن الأحراش السطحية كالضفادع والسلاحف البورية، فتقاسم الجميع المجال انسان وحيوان وزواحف، ومما يزكي هذه الرواية الشفوية التي ساقها شاهدي العصر عن الوضع البيئي البري بتارودانت، ما شاهده وسجله لنا كتابة ابن الميتم  موسى حميمو في رواية La rose Bleue ط 1994 ص  224 يروي احدى مغامراته لسنة 1947 :" عند مدخل غابة سيدي بورجا، آويت للمبيت فوق غصن شجرة، لن تخيفني لا الذئاب ولا الضباع بشكل أقل الخنزير البري"، مدخل الغابة يقصد به تجزئة الأمل حاليا، سور المدينة هو الآخر كانت غيرانه مأوى الصقور والحمام البري والخطاطيف والخفافيش، وفوق ابراج القصبة 12 عشا لأزواج طائر اللقلاق، هذا التنوع البيئي لن يكون لولا توفر المقومات الطبيعية في مقدمتها تعدد مجاري المياه السطحية وتدفق جريانها ليل نهار طيلة السنة.

5- ارتباط خاص:

في الجزء السابق تحدثنا عن رحى المخزن التي تدار بمياه تافلاكت، مصرف الرحى له أربع أوجه استعمالات : الخدمة الأولى يشغل رحى المخزن، الخدمة الثانية يستغل الماء لسقي الحرث ما بين نخلات للا ميمونة الى ثقب السور الذي تنفذ منه تافلاكت نحو "البخبخ" داخل السور بطريق بوالزيت جوار داركشادة، الخدمة الثالثة مصرف رحى ينفذ من ثقب كان يسمى "نقاب لهروب" بسور سيدي العربي لسقي الجنانات ما بين زرايب باب الخميس ودرب اسمكان/العفو، "نقاب لهروب" بمرور السنين ما فتئ يتوسع حتى أضحى باب سيدي العربي حاليا، الخدمة الرابعة سقي حديقة نباتيةjardin potager  ممتدة ما بين رحى المخزن بزاوية سور باب الخميس وباب الحجر، الحديقة خاصة بتموين اللفيف الأجنبي  المسمى "لاليجو"la légion étrangère،وتشمل زراعة الفصوليا/لوبيا والشمندر الأحمر/ الباربا والفجل والخرشوف والسلاطة/الخص ومختلف البقوليات والخضر؛ في عمق الحديقة النباتية بزاوية سور القصبة وسيدي العربي، اسطبل طويل يضم على الدوام 60 الى 70 خنزير porc بالإضافة الى7 أو8 بغال، بعد  لف عيني الحيوان بقماش ، يهوي الجزار على الرأس بمطرقة غليظة/ماصا بين الأذنين، فيخر الحيوان قتيلا، ثم يذبح ويسلخ لتموين ثكنة اللفيف الأجنبي/القشلة بحومة القصبة؛ بعد فتح باب الحجر بين البرجين الخامس والسادس، أغلق باب القشلة ما بين البرج الأول والثاني المؤدي الى الحديقة والاصطبل، لازالت آثاره ظاهرة للمعاينة ؛ أما اسطبل تربية الخنازير الثاني بتارودانت وهو الأكبر مساحة والأكثر عددا، كان يوجد وسط ضيعة  فلاحية تقوم على ساقية ترغونت في منطقة بويفركان خلف محطة الوقود شال حاليا، تسمى "فرما دلندري" مالكها معمر ثري اسمه أوندري باروطيل André Barotel ،أول مدير لشركة سطاس SATAS1950 بأسراك، وهو ايضا مالك فندق تارودانت بالجوار.

كما فسرنا سابقا اصل تسمية تافلاكت انطلاقا من علم الأماكينية toponymie، لابد من الرجوع لعلم الدلالة المعرفي la sémantique cognitive لفهم أسماء وألقاب بعض المعمرين وعدد من المفاهيم الاصطلاحية التي مازالت متداولة على الألسن دون معرفة دلالتها المرجعية، قبل نظام الحالة المدنية كان الناس في تارودانت يتعارفون بالاسم المزدوج، نجده بكثرة في العقود العدلية القديمة، مقرون أحيانا بنوعية الحرفة اليدوية او الصنعة التقليدية التي يمارس المعني لتحديد صفته الشخصية، فيقال أو يسجل فلان بن فلان الدباغ او الدلال او الدراز،،،مع دخول الاحتلال الفرنسي الى تارودانت 1914،ظهرت ألقاب اصطلاحية جديدة، لفهمها وجب الاحالة على منهج الاستعارات المفاهيمية  concept  métaphore وهو فرع من علم الدلالة المعرفي، يعد أكثر غزارة في الانتاج يربط المفهوم بالمنطوق، نذكر مصطلح "الخدمة بالعطش" يفهم منهاà la tache travail – جامونو المذكور في المدونة السابقة هوJean monord، و André Barotel يفهم منه أوندري صاحب  البار والأوطيل أي المخمرة وفندق تارودانت باسراك، وحيث أن تارودانت كان بها 20 فندقا للتجارة والتخزين والمبيت، اقتضت استعارة التمييز مفهوم خاص بالمخمرة هو "الفوندة" عوض فندق، بقي النعت مرادف للمخمرة حتى بعد تفويتها بالبيع الى مسيو ومادام كابيي Gabier.

عقد الثمانينات بالرغم من بداية الجفاف، ظلت تارودانت تستقبل موجة أمطار مهمة وان كانت غير منتظمة الكمية، كانت تتراوح ما بين 400 و 600 ملم في السهل، و600 الى ألف ملم في في المرتفعات ابتداء من علو 800 م فأكثر، النصف الثاني من نفس الفترة بدأت الوضعية تتأزم نتيجة شح التساقطات من جهة، واتساع المجال الفلاحي وتطوير انظمة السقي من جهة ثانية، خاصة تقنيات ضخ المياه الجوفية حد الاستنزاف ،بلغ حسب احصائيات رسمية نهاية التسعينات 160% ، ما أدى الى اختلال التوازنات الطبيعية والبيئية، فجفت السواقي فيما صبيب تافلاكت تراجع بنسبة الثلثين وأقل، والمساحة المسقية تتقلص سنة بعد أخرى...

1983 تبنى المجلس البلدي بالمدينة قرار توقيف انسياب تافلاكت داخل سور تارودانت بشكل نهائي، فجتم الجفاف على ما تبقى من عينات الجنانات والبساتين والعراصي الملحقة بالدور الرودانية الأصيلة، ما بين باب الخميس شرقا الى باب ترغونت غربا مرورا بباب اولاد بنونة شمالا، أي ثلث المجال الأخضر داخل حزام السور، وهو ما يربو عن 46 هكتار / 460 ألف م²؛ فبدأ يتحول مجرى تافلاكت ما بين زرايب اولاد بنونة وباب الخميس الى مطرح للنفايات والأزبال ثم بقايا البناء.

بعد عقدين ونيف، قرر المجلس البلدي دفن تافلاكت وتحويل شطرها المكشوف ما بين اولاد بنونة ومدرسة باب الخميس الى طريق عمومية، نقول من وجهة نظر، بعد 370 سنة من السخاء والعطاء، ذلك أفضل من أن يتحول مجرى تافلاكت لمطرح قمامة ومزبلة ساهم في خلقها بعض النازحون الجدد المُوطّنون بجوارها، لكن من وجهة المنطق التاريخي وجب التقيد بأسس التهيئة والتصميم الذي خططه المهندس فيليب لامبروكي خبير جيولوجيا المياه، مستحضرا بتنسيق مع ادارة الأشغال العمومية/الوزارة أثناء تخطيطه سنة 1937، مختلف أوجه التحولات الطبيعية المحتملة لتافلاكت على طول مسارها ، فتقرر برمجت ما سماه لامبروكي مسار التنزه والرياضة على جنبات المجرى الاسمنتي لتافلاكت، هذا المجرى في حد ذاته يعد إحداثيات طبوغرافية ثابتة للتحفيظ العقاري، وعليه يرجى تدارك تافلاكت، عوض إقبار ما تبقى منها تحويله الى شريط مسار بيئي أخضر، يخلد لعينة نماذج أغراس من السجل التاريخي الطبيعي للمدينة وساقيتها الأزلية؛ للإنصاف والحقيقة التاريخية أول من عمد الى دفن مجرى تافلاكت أحد المنعشين العقاريين بالمحايطة، قرب المحافظة العقارية ومكتب الاستثمار الفلاحي وبقية الادارات العمومية المفروض سهرها على مراقبة مدى احترام برامج المخططات الحضرية، ضمنها الحُرُم العمومية والحقوق المجالية،،، هذا موضوع الساعة لا يدخل حاليا في حكم التاريخ مضمون المدونة.

Malheureusement, cet ouvrage considérable qui a rendu des services énormes à la ville de Taroudant pendant de nombreuses années, est maintenant laissé à l’abandon complet, alors qu’il devrait faire partie du patrimoine hydrogéologique du Maroc.Il serait encore temps de procéder à son nettoyage et à l’aménagement de ses abords pour en faire une promenade et un lieu attractif d’intérêt scientifique et historique. PHILIPE AMBROGGI



كل زمن وتارودانت بألف خير





 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة