أضيف في 20 يناير 2020 الساعة 17:53


ذكرى 11 يناي.. يوميات الأمجاد الوطنية بتارودانت


بقلم - علي هرماس / توثيق زينب الخياطي

بعد نشر المدونة السابقة على صفحات التواصل الاجتماعي في موضوع احياء ذكرى مجيدة من صفحات تاريخنا الوطني، وردت عدد من التدوينات بعضها طرح فيه صاحبها للنقاش عمق وخلفيات القضية وطنيا سياسيا، ليبقى تفاعل الأستاذة الفاضلة زينب الخياطي إضافة نوعية متميزة أغنت التدوينة المناسباتية بمشهد صورة فريدة حبلى بالدلالات الرمزية، غنية بالمغازي الوطنية تختزل أحداثا وطنية وسياسية كبيرة قل من يعرفها، كانت مدينة تارودانت الأبية مسرحا لها أثناء فترة الاحتلال وبعد انتزاع الاستقلال.

قصد ربط المدونة الحالية بالجزء السابق، نُذكّر أن جلالة السلطان المغفور له محمد الخامس بتاريخ 24 ديسمبر 1958 كلف الأستاذ عبدالله إبراهيم لتشكيل رابع حكومة في المغرب بعد استقلاله عن فرنسا سنة 1956، لم يجد المرحوم عبد الله ابراهيم ادنى صعوبة في ذلك، اعتبارا لخصاله الشخصية ومساره في النضالات الوطنية والاجماع الواقع عليه، بل كان المعيق الأكبر فيه هو شخصيا كي يقتنع بالفكرة التي قال عنها " مبدئيا أنا لم أكن أبحث عن المناصب، بل هي التي كانت تبحث عني، ذلك أن الثوابت الوطنية تمنعني من قبول أي منصب بدون اقتناع كامل، غير أن الملك محمد الخامس خلال هذه المرة كان يدعوني بإلحاح للتعاون معه باعتبار ذلك واجبا وطنيا يعلو فوق كل شيء".

بعد تنصيب الحكومة انطلق رئيسها بالسرعة القصوى في تنفيذ مشاريع طموحة تهم الاقتصاد الوطني الفلاحي والصناعي، تشمل مجموع التراب المغربي لخلق توازنات النمو وتكافئ الفرص الاجتماعية بين مختلف المناطق ومراكزها الحضرية، مآزرا بالسند الشعبي ودعم شخصي من السلطان محمد الخامس، في خضم تجاذبات هذه السياسة الاجتماعية الشاملة التي استهلكت كامل وقته، كان الرجل لا ينام سوى أربع ساعات في اليوم، ومع ذلك لم تنسه بعضا من ذكرياته المريرة المؤلمة يقابلها تعاطف شعبي مؤازر متعاطف من زمن غطرسة الاحتلال؛ ففي 1937 كان ما يزال عبد الله ابراهيم عضوا في  المجلس الأعلى لكتلة العمل الوطني وهي أول تشكيلة وطنية للعمل السياسي بالمغرب، خرج بمراكش في مسيرة ما عرف بمظاهرة الجياع والحفاة والمرضى، شارك فيها قرابة 600 شخص، سلطات الاحتلال التي يقوم على رأسها وقتئذ المقيم العام الجنرال نوكس والباشا الكلاوي، قامت على اثرها باقتناص 14 عنصرا اعتبرتهم من المشوشين الفوضويين المحركين للمظاهرة، ورمت بهم منفيين من مراكش الى تارودانت، من بينهم مجموعة من علماء جامع بن يوسف ضمنهم الطاعون في السن، لم يشفع لهم عمرهم إزاء التنكيل بهم، منهم عبد الجليل بلقزيز والحسين وعبد القادر المسفيوي ومحمد بن الحسن الدباغ ومحمد بنعبد الرزاق ومحمد الملاخ وعبد القادر حسن العاصمي وأحمد بنفضيل ومحمد بن الحسن الشكدالي وعبد المجيد الشراط ومحمد العراقي ...وكان اصغرهم سنا هو مولاي عبد الله ابراهيم عمره آنذاك 17 سنة.

هذه المجموعة هي التي شقت ما سمي "بالطريق جديدة"، اقتطعت من عرصة سي حماد الخياطي عم الحاج أحمد الخياطي وفندق الجلد / قيسارية BMCI جوار مدخل الجوطية، لوصل رْبْع سيدي حساين بتالمقلات وأسراك/رْبْع الزاويات، دون الحاجة للمرور برْبْع جامع الكبير أو السوق الكبير- سماط البلايغية؛ نكاية في هذه الصفوة من المعتقلين كان حارس السجن يمكر بهم لحظة المناداة عليهم "هيا اسرعوا الخروج للعب ضاما بالمدينة"، يقصد صفيحة صخرية مربعة ثقيلة، تربط الى عمود حديدي بسلاسل، يتم تعديل طولها ليعمل السجناء بالتناوب على حمل العمود فوق الأكتاف وقوفا وانحناء لدك الأرض، فيزدادون عذابا نفسيا وجسديا بعضه فوق بعض وهم يدكّون تربة الأرض بمقطع "الطريق جديدة".

لذا يجب علينا كلما اردنا أن نشكر ونثني على بعض منجزات فترة الاحتلال التي ماتزال صامدة متقنة، ان نتذكر ولاننسى أن جلها أنجز بسواعد وأدرع وأكتاف مغربية مقاومة، منها طريق تيزي نتاست بالمقطع المسمى الى اليوم "شفرني" يفهم من اللقب حسب علم الدلالة المعرفي Chef Henri لربط مراكش شمالا بتارودانت جنوبا. بعد "الطريق جديدة" حولت مجموعة الأربعة عشر معتقلا المراكشيين من نكاية قاسية جسديا الى أسوء منها نفسيا، وهي تنظيف مجاري الواد الحار بساحة اسراك، يوجد على عمق كبير أسفل الأرض- لا نملك معطيات تاريخية بخصوصه- فتتلوث بالنجاسة جلابيب المعتقلين وتتسخ سلاهم العلماء، والغاية من ذلك كله مقصودة محددة، لأنهم يتوقفون عن العمل كلما حل موعد أداء شعيرة الصلاة، ولا يعلم أصحاب النكاية والتعذيب أنه يرفع التكليف الشرعي متى استحال توفر واحد من أركانه، منها طهارة الملبس والبدن ونظافة المكان ، هنا طلب بجرأة مولاي عبد الله ابراهيم من الحارس المراقب أن يمدهم ولو بأكياس/خنشة الشتم لارتدائها رغم خشونتها ،بعد أسراك نقلوا لتبليط أزقة حي اليهود / الملاح، ومن هناك لشق ما كان يسمى "طريق الوطنيين"، ربما تعلق الأمر بطريق سيدي بورجا مرورا بتمصضوت، أو طريق أولاد عرفة وهو الأغلب، لأنه في نفس السنة 1937 وضع مشروع اعداد وتهيئة مجرى تافلاكت بشكلها العصري، المشروع الذي أشرف على تنفيذه الفرنسي خبير جيولوجيا المياه Robert Lambroggi بتنسيق مع ادارة التجهيز/الوزارة لاحقا.

في خضم هذه الوقائع التاريخية التي دامت ثلاثة أشهر وما رافقها من اشغال مذلة للكرامة شاقة بدنيا محبطة معنويا محطمة نفسيا، كانت مدينة تارودانت مسرحا لها في زمن الصمود وسط الاعصار، أحداث ابطالها علماء أجلاء ووطنيين مخلصين حق الاخلاص لله والوطن والسلطان، كان أصغرهم سنا هو مولاي عبد الله ابراهيم عمره 17 سنة، لم يتخلى عنهم سكان تارودانت ولو للحظة، خطط الرجال بتبادل الأدوار لإلهاء الحراس، ونفذت النساء الشطر الثاني من الخطة، بعد إعداد الطعام والشراب، يتسترن بدثار الازار ليضعنه في زوايا معلومة بأزقة مرور المعتقلين نحو الأشغال الشاقة.

في مذكرات عبد الله ابراهيم التي دونها على لسانه محمد لومة في كتاب"سنوات الصمود وسط الاعصار"ط 2006 ص63 ذكر انهم "ذات مرة بعد وصولهم ورش الأشغال الشاقة وجدوا قدرا كبيرة من الحريرة في مخبئ بمجرى الواد الحار، بعد عدة أيام من الجوع الشديد المفروض علينا قصرا"، من بين المناورات التي قامت بها نساء تارودانت لكسر طوق الحراسة الشديدة الجائرة على مجموعة مراكش، أن قامت احدى هن وهي المرحومة نافاطنة زوجة سي علال البرداوي –شفاه الله من علل الكبر- واشتغلت خادمة بمنزل مسؤول عسكري فرنسي، وكان لديه صبي رضيع تحمله بركاب على ظهرها وتدس بينها والصبي الطعام والشراب، وأحيانا الجرائد الوطنية، حتى تتمكن من تمرير المؤونة للمعتقلين، وابلاغهم الأسرار التي تحبك بمسكن المسؤول العسكري، لحظة وقوفها باب سجن القصبة تفاديا لتفتيشها، تحذر الحارس أن تلمس يده رضيع سيدهما لأنها لن تترد في ابلاغه ...

حارس السجن كان رجلا فظا غليظ القلب، وصفه المرحوم سيدي رشيد المصلوت في كتاب "الفهرس العملي" ط 1989 ص18كونه من بقية أعوان باشا تارودانت سابقا الحاج حماد بن حيدة بن ميس، لا يعرف قلبه الرحمة، بلغ من الغلظة أقصاها ومن الشدة منتهاها، أسود الجسم والقلب، أمي الا أنه عارف بأساليب النهب والسلب ،،،ذات مرة صادف وقت دخول المعتقلين زنزاناتهم، فتأخر احدهم وهو يصلي صلاة المغرب، فهوى عليه بالعصى فوق الظهر حين ركوعه، فسقط الرجل أرضا مغشيا عليه، فقال له "هل هذا مكان العبادة يا ابن الفاعلة" وأمر بجره وإلقاءه بالدهليز...

بعد هذا الحارس منّ الله على أفواج الوطنيين المعتقلين غير هذه المجموعة بحارس اسمه باالعربي، كانت زوجته تُحضر له الطعام لباب السجن وتقسم عليه أن لا تهبط لقمة منه في حلقه حتى يُطعَم الوطنيون قبله، بعدما استنفدا كل مدخرات المؤونة ببيتهما، ألحت عليه أن يبيع مسكنهما لإنفاقه على السجناء الوطنيين، فقال لها وأين سنسكن بعدها؟؟ أجابته: نضرب خيمة في عمق الدرب نأوي اليها الى أن يفرج الله محنة الفدائيين وسيحن علينا بعدهم !!! رواية سي عبد القادر التونسي بتاريخ 16-1-2011 في جلسة "كاس العصر" بعرصة الحاج احمد الحاتمي.

هذه فصول تاريخية من زمن مقاومة الاحتلال بتارودانت، كان للحضور النسائي دور مهم في تحضير بعض منها وتنفيذها بمسرح الحدث من دون أثر، وقائع عاشتها أولى الطلائع الشعبية الوطنية المعروفون في تاريخ المقاومة المغربية باسم "مجموعة مراكش"، ضمنهم طفل يافع ما يزال في مطلع ربيعه السابع عشر اسمه عبد الله ابراهيم، ربما لم يدق قبلها ولا بعدها أقسى شدة ونكاية من هذه المحنة، فأسرها في نفسه ولم يبدها لهم حتى تم تعيينه من قبل جلالة السلطان رئيسا لرابع حكومة في تاريخ المغرب الحديث، فقام بعد عشرين سنة تقريبا عن تلك الأحداث بزيارة صلة الرحم للوطنيين والمقاومين المحليين وعموم الرودانيين نساء ورجالا، لأنهم كانوا خير سلوة وأكبر سند في محنة الشدة والتنكيل والعذاب.

استعدادا لتلك الزيارة، اتخذت بعض الترتيبات الاجرائية والتنظيمية تكلفت بها خلايا المقاومة الوطنية المحلية بتنسيق مع منخرطي حزب الاستقلال طبعا، لأن الزيارة تتجاوز ما هو فئوي وحزبي لما هو شعبي وطني، كُلّف عنصران بتأمين الحراسة اللصيقة la garde rapprochée، رجلان زادهما الله بسطة في الجسم وكمال البنية بطول القامة وعرض الأكتاف وقوة الأدرع والسواعد والعضلات المفتولة، هما بوجمعة الطرابلسي الدباغ حرفة الملقب "خباشا" ومحمد جليد الفلاح حرفة الملقب "بْغّا"؛ بمجرد توقف السيارة الحكومية عند مدخل ساحة اسراك جوار مقر الزاوية التهامية سابقا/مصرف المغرب حاليا، اهتزت جموع الجماهير الشعبية دفعة واحدة، وارتفعت الهتافات بين مهلل بالنصر والسلطان، ومكبر بفداء الوطن، ومنشد يترنم بشعارات الوطنية، ومنتشين فرحة بضرب الدفوف/البنادير وأكوالات أياديهم تعلو الأكتاف، صخب اختلت معه كافة الترتيبات، وارتبك الوضع وتعقد التحكم في مجرياته...

بمجرد هبوط عبد الله ابراهيم من السيارة الحكومية، المكلف بالحراسة اللصيقة الملقب "بغا" خاف من احتدام الاندفاعات ويتجاوزه الجمهور في لحظة ما، وينفلت الأمر عن سيطرته فيما كلف به، فارتمى بخفة على رئيس الحكومة الوطنية، ليجد الأخير نفسه في رمشة عين فوق كتفي مسؤول الحراسة اللصيقة، فتوجس عبد الله ابراهيم من الأمر خيفة ظنها عملية اختطاف مدبرة بليل، فانتفض وكاد يسقط ...

محمد جليد الملقب "بغا" تربطني به صلة قرابة، والدته الزهرة البشير عمة الحاج محمد دعداع المتوفي مؤخرا رحمة الله على الجميع، التقينا ذات مرة صدفة في زيارة لمحمد بغا وهو في فراش مرض الوفاة، تخفيفا عنه وطأة المرض، شرع المرحوم دعداع يسرد له بعضا من نوادره، منها يوم دخل "بغا" مع شخص في رهان قوة بمعصرة، فاحضر "شواري" وضع فوق رحى الطحن، وملأ بحبوب الزيتون، تم حمله "بغا" على كتفيه وشرع في المشي، فربح رهان العناد وخسر معانده، بنفس المكان-المعصرة الموجودة وسط فدان مرة اخرى بمعية بعض "الفلاحة"، اقتعدوا أرضا فوق الحصير، أمامهم براد الشاي "عشاري" ومجمر لشي الذرة البلدية-البيضاء، لحظة تفرق المجمع شرع كل واحد يحفر بكلتا يديه في كومة بقايا "جلوف والكبوس" بحثا عن بلغته ويتعجبون كونهم اكلوا "شواري ديال لكبال"، الواقعة الثالثة لما كان سي محمد "بغا" مسؤول رئيسي بضيعة دعداع، حضر عمال شركة خاصة لربط محطة ضخ المياه بالشبكة الكهربائية، وكونهم لم يجدوا من يرشدهم، طرحوا عددا من الأعمدة الاسمنتية أرضا وسط طريق الضيعة، لما حضر سي محمد "بغا" لم يرق له التصرف ولم يعاتب على أحد، فشرع بمفرده من دون مساعدة في إزاحة الأعمدة الواحد تلو الآخر، ولنا أن نتخيل طول ووزن عمود الكهرباء الاسمنتي !!!

هذا هو الشخص الذي كلف بتأمين الحراسة اللصيقة لعبد الله ابراهيم رئيس حكومة الوحدة الوطنية أثناء زيارته التاريخية لتارودانت، لم يجد أدنى عناء وهو يخطف في رمشة عين رئيس الحكومة من الأرض ليضعه فوق كتفيه فرحا وابتهاجا بقدومه، فذهل الرجل ظنها عملة اختطاف مدبرة في ليل بهيم فانتفض وكاد يسقط ...

في وقت لاحق بالضبط الجمعة 29 ماي 1959- 20 دي القعدة 1378، عاد مرة ثانية عبد الله ابراهيم في زيارة لتارودانت، هذه المرة يرافق جلالة السلطان محمد الخامس تلبية لدعوة جمعية علماء سوس لوضع الحجر الأساس لبناء المعهد الاسلامي بتارودانت، صيغة عصرية لنموذج التدريس بالقرويين بفاس وجامع ابن يوسف بمراكش، أيضا صلة رحم مع "ناس تارودانت" ومجموعة الوطنيين الرودانيين عددهم 22 فدائيا، 3 منهم سبق الحكم عليهم بالاعدام، والباقي 20 سنة سجنا مع الأشغال الشاقة من بينهم سي محمد "بغا"، من طالع السعد بينما الجميع واضع يده على قلبه من تنفيذ الأحكام، حصل المغرب على الاستقلال، فتنقل المغفور له محمد الخامس شخصيا الى سجن القنيطرة، وفتح الزنزانة بيديه لتسريح مجموعة الفدائيين الرودانيين، في الغد استقبلهم استقبال الأبطال بقصره العامر بالرباط، بقي الارتباط وثيقا، وصلة الرحم موصولة بين السلطان ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الله ابراهيم، ووطنيي تارودانت.

كل زمن وتارودانت بألف خير.




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



صعوبات التأريخ المحلي بالمغرب: تاريخ تارودانت نموذجاً

تـارودانت عبر التـاريـخ

تارودانت: صفحات من تاريخ المقاومة والعمل الوطني( 1912 – 1956)

متحف لذاكرة تارودانت.. ضرورة آنية

طبيب الحسن الثاني من مدينة طاطا يروي عشق الملك الراحل للعلاج بالوخز بالإبر

معركة أيت باها من مقاومة الاحتلال إلى مقاومة النسيان (تقرير أشغال اليوم الدراسي الثاني حول معركة أيت باها)

مالا تعرفه عن إبراهيم الروداني، ابن قرية ايت علا إكطاي جماعة بونرار قيادة تزمورت دائرة تارودانت

صناعة السكر في تازمورت وأولاد مسعود وأولاد تايمة، هذا المنتوج الذي صنع ذات يوم أمجاد المغرب

أكادير تأمل ان تحتفي بقصبة اكادير أوفلا على شاكلة الدراجة الهوائية

تزنيت : زاوية سيدي وكاك بأكلو أول مدرسة عتيقة بالمغرب والنواة الأولى لانطلاق الدولة المرابطية