أضيف في 11 ماي 2020 الساعة 19:24


حديث مع الصورة.. الزوايا الصوفية: الأبعاد الرمزية والانحرافات الاجتماعية


بقلم - علي هرماس

قبل سنة تقريبا طرحت صورة من أرشيف التاريخ الروداني على صفحة التواصل الاجتماعي، فتوزعت التعليقات بخصوصها بين قائل أنها لمسجد سيدي أحمد أو موسى باسراك، ومن تشابه عليهم المشهد قالو أنها للكنيسة وضريح سيدي بوالسبع، ومند تاريخه ما فتئت تظهر الصورة وتختفي، ما حدى بي لأخذ الموضوع بجدية لعدة أسباب، أهمها تصحيح المتخيل الافتراضي وضبطه اعتمادا على منهج المقابلة والمقاربة والتأويل بناء على معطيات الشواهد الواقعية والمحررات التاريخية.

من بين الطروحات الخاطئة القول بأن القوسين يمينا هما مدخل الكنيسة، بل هناك من ذهب للقول بأن الكنيسة أقيمت على أنقاض خراب منشأة دينية اسلامية طالتها عوادي الزمن، وهذا تأويل مجانب للصواب، لأن أول مقيم عام بالمغرب وهو الجنرال هوبير ليوطي، كان يمنع قطعيا على الأوربيين والضباط والجنود الدخول الى أماكن العبادة احتراما للإسلام، فما بالك أن يسمح ببناء كنيسة مكان منشأة اسلامية كيفما كانت طبيعتها الدينية وحالتها العمرانية؛ ليوطي انتهى انتدابه بالمغرب شهر غشت 1925، بينما الكنيسة اقتطعت من فدان شاسع يسمى "تبحرين" وهبه الباشا حماد بن حيدة بن ميس لطليعة بعثة مريم للفرنسيسكان الرهبان الذين حلوا بتارودانت سنة 1922، بناء على استغاثة من الطبيب بول شاتنيير مرفوعة الى المطران الأكبر بكاتدرائية الرباط.

العنصر 1: شاهد عيان يدعى الياسني من مواليد 1936، وهذا لوحده يُعد معيار تأهيل، وقياس عُمر للتقديم، يأخذ به العدول قصد الانتصاب للشهادة، تزداد قوته حجية بالاطلاع والمخالطة والمعاشرة، الشيخ الذاكرة أكد أن الأمر يتعلق بمدخلين ملاصقين الأول لمسجد سيدي أحمد أوموسى والثاني للميضأة، هو إذن واحد من بين تسع مقرات للطرق الصوفية بتارودانت المكونة لما كان يسمى أسراك ربع الزاويات.

العنصر 2: محرر عدلي ورد بالجزء 2 صفحة 275 من الحوالة الحبسية، هو ظهير معاوضة بناء على طلب رفعه وزير عموم الأوقاف محمد ملين الى السلطان محمد بن يوسف، صدر به الأمر الى ناظر أحباس رودانة عبد اللطيف أقصبي ليجري المعاضة مع ادارة البلدية فيما يخص مساحة 57.75 من أسطوان الزاوية العيساوية، وثلثي فرن، واسطوان دار وبيت فوقها، ومجموعة حوانيت، وذلك من أجل توسعة طريق الحدادين. الظهير حرر في 12 صفر 1371هـ / 14 نونبر 1951، لأجله هدمت قبة الزاوية العيساوية – التي تظهر في الصورة- وطمست المعالم التاريخية الأماكينية ما خلق لبسا لدى الجمهور بتوهم المنظور.

العنصر 3: الحوالة الحبسية كمرجع احالة تاريخي نقف في أحد العقود على عبارة "بقعة بأحواز باب السبع"، والباحث أحمد بوزيد الكنساني في كتاب "تاريخ تارودانت في العصر الحديث" ط 2006 ص 154 تحدث عن اسرة " آل السبع من صدر القرن 11هـ"، من غير المستبعد أن يكون دفين الضريح أحد وجهاء هذه الأسرة إما بالعلم، وهو افتراض ضعيف جدا لغياب الاسم ضمن علماء القرن 11هـ، أو لاعتبارات اجتماعية أخرى وهو الأقرب للصواب، استدعت بناء ضريح عليه تعلوه قبة مستديرة غير مضلعة، محدبة المركز يعلوها جامور فخار أخضر كبير- سرق- تحيط بالقبة شرفات قصيرة الطول، عريضة القاعدة، حادة التدرج، يتوسط رأسها جامور أخضر صغير؛ قبة سيدي بوالسبع وان تشابهت مع عدد من أضرحة الأولياء-سيدي الحاج بوثابت قبل هدمها، وقبب بعض مساجد الزوايا- العيساوية هدمت هي الاخرى، يبقى لكل زمن خصوصيته العمرانية وهندسته المعمارية التكميلية، تساعد في القطع بالقول.

العنصر 4: قبل عملية التوسعة بعقد أو أثنين، كانت لوحة معدنية مربعة معلقة على جدار عند بداية طريق الحدادين من جهة اسراك – انظر الصورة- كتب عليها بالفرنسية "ممنوع مرور الشاحنات والشاحنات الصغيرة قرار 1 مارس ... " أمر يفيد أننا إزاء ساحة وموقف للشاحنات مفتوح فيها ممر ضيق بحجم عنق الزجاجة، يستدعي اتخاذ قرار المنع المؤقت أو الدائم الى حين، وضعية يستحيل وقتئذ بأي وجه أن يوجد موجب للتطبيق وتنزيلها بسيدي بوالسبع ، لكونه مجرد زنقة أو هو مسار يربط بين اولاد بنونة ومجمع الأحباب.

في وقت لاحق قبل 1942 تاريخ وصول خطوط الكهرباء الى اسراك، مع الانتعاش الاقتصادي والتطور الاجتماعي وظهور شاحنات النقل والتنقل، تبثث بين باب الزاوية الأحمدية ومدخل الميضأة لوحتين للتشوير قصد تحديد حمولة الشاحنات المسموح لهم بالمرور من طريق الحدادين مع الزامية عدم التوقف تفاديا لتخريب الطريق، علما أنه كلما شهدت تارودانت هطول الأمطار – يقول ذ.محمد كسرير- توضع السلسلة الأولى بمنطقة المحايطة مباشرة عند ساقية تافلاكت لذلك لقبت الساقية ب"سنسلة"، وسلسلة ثانية ما بين مقبرة سيدي بناصر- الصغيرة- والوادي الوعر لمنع دخول المركبات وافساد طرقات المدينة، وهذا أحد أوجه تناقض سياسة التجهيز زمن الاحتلال، ففي الوقت الذي تشق فيه المسالك وتكسى الممرات بالاسفلت الى مقرات الزوايا وأضرحة المواسم تشجيعا لها بنواحي تارودانت، يتم اهمال داخل المدينة، في الوقت الذي تبنى فيه الاحتلال سياسة الأضرحة والزوايا يمنع الرودانيين ويعترض على اصلاح وترميم المسجد الجامع الكبير الذي تداعت جدرانه أن تخر، وسقوفه أن تهوي لولى زيارة السلطان لتارودانت 1947.

الشيخ سيدي أحمد بن موسى الجزولي السملالي نزيل تازروالت تنسب اليه الطريقة الصوفية الأحمدية ازداد سنة سنة853هج 1443م وتوفي 971هج بعد 118 سنة ، أي انه ولد قبل نهاية دولة المرينين ب 16 سنة وعاش 66 سنة من دولة السعديين و 36 سنة مطلع دولة العلويين، ما تزال زاويته وضريحه هناك مقصدا للزوار، أما تازروالت فهي من بين أكبر قبائل سوس تقع في الجنوب الشرقي لمدينة تيزنيت، اشتهرت بتاريخها السياسي ابتداء من القرن 17 م أواخر عهد الدولة السعدية، تحت قيادة أميرها أبوالحسن علي بودميعة السملالي، حفيد سيدي احمد بن موسى.

يقول محمد حنداين في كتاب "المخزن وسوس" ط 2-2019 ص 239 ان ما يميز منطقة سوس في عصر الدولة السعدية هو انتشار الحركات التصوفية في الجبال، منها الجزولية في الأطلس الكبير الغربي، وحركة سيدي سعيد عبد النعيم الحاحي في الأطلس الكبير الأوسط، بينما نفود سيدي أحمد أوموسى شمل كل حوض سوس وجبل جزولة ؛ لهذا المراجع التاريخية لما تتحدث عن المجالات الجغرافية تميز بين منطقتي سوس الأدنى وتحدده بين رأس الوادي – سوس شمالا ووادي والغاس – ماسة جنوبا، ثم سوس الأقصى من هذا الأخير شمالا حتى مدينة كلميم باب الصحراء جنوبا، ويغيب هذا التقسيم لما يتعلق الأمر ببعض الجوانب الاجتماعية مثل ظاهرة انتشار الأضرحة ومقرات الزوايا الطرقية الصوفية بالحواضر السوسية بشكل ملفت للنظر، بالسهل والجبل.

أخدا بعين الاعتبار انتفاء الحدود السياسية بين المغرب والجزائر لكونها ترسيم جغرافي محدث من تبعات تفتيت وحدة حركات التحرر من الاستعمار بالمنطقة، جميع حركات التصوف بمنطقة شمال أفريقيا، اذا استثنينا دولة الأدارسة من فاس، نجد كل الدول المتعاقبة وعددها ستة قامت في بدايتها على مبدأ دعوة دينية للجهاد انطلقت من رحم رباط ديني، فيمرر الاستثمار الرمزي- الروحي من المقدس الى الاستثمار السياسي والاقتصادي، وهو ما ينطبق على زوايا الطرق الصوفية، فتصبح بذلك منافسة للسلطة السياسية القائمة، وتنطلق بذلك عملية ترجيح كفتي ميزان القوى في الميدان من أجل تنحية جهة لأخرى، وقد يقتصر الأمر على أسلوب من المهادنة في حالة تعادل كفتي القوى الميدانية، وذلك عن طريق الاعتراف فقط بالولاء للسلطة المركزية من قبل الزوايا الصوفية دون تجسيده، فيما السلطة المركزية تعمل على إرسال ظهائر التوقير ورفع الكلف المخزنية عن الزاوية الصوفية، وقد يذهب الحال أبعد من هذا بزيارة خليفة السلطان لمقر الزاويه ، أو يبعث في ذلك شخصية دينية مشهورة عبر الأقطار، مشهود لها في الأمصار.

في مرحلة من تاريخ سوس، تمكنت الطريقة الأحمدية- سيدي أحمد أو موسى- من الانتشار وتأسيس مقرات واستقطاب أتباع ومريدين كثر بالقطر الجغرافي السوسي، كان ذلك مدعاة التطلع للسلطة السياسية بعد حشد وتأييد الأتباع، فرأى القائم على الطريقة نفسه مؤهل لها وهو علي بن أحمد بن موسى أيام السلطان مولاي أحمد المنصور الذهبي دفين تارودانت ضريحه ملاصق بدار العشور بحومة القصبة، فألقى القبض على زعيم الطريقة الأحمدية ورمى به في سجن القصبة الى أن توفي مسجونا سنة 1006هـ حسب المختار السوسي فكتاب "ايليغ قديما وحديثا" ط 1966 ص 27. للاشارة  فدولة السعديين نفسها قامت على اعتبارات دينية –الطريقة الصوفية الجزولية من أقا- تزعمها أبا القاسم القائم بأمر الله السعدي الحسني الذي أطاح بحكم الوطاسيين.

ظلت السلطة السياسة تتجاذب النفود مع الزوايا لما للأخيرة من سلطان رمزي على الناس، فمقرات الزوايا تتحول الى خزينة للودائع العينية الثمينة كالحلي التي يخشى عليها السلب والنهب في فترة الاضطرابات، وعقب الجائحات الوبائية التي لا تبقي ولا تدر في صفوف الخاصة وعامة البشر، وهو ما سجله القنصل الفرنسي بروسوني "سنة 1799 لما توفي بتارودانت 800 شخص في يوم واحد، ولم ينج سوى فردين من اصل 1200 فرد من حامية مخزنية بالمدينة" سوس والمخزن ص 496. الزاوية كسلطة دينية لا تتردد في وضع اليد على الودائع العينية بمقراتها، والدولة كسلطة سياسية تضع اليد على العقار والدواب ان هي نجت، كل طرف يحوز ممتلكات الغير ممن هلك، ما حدا بالسلطان سيدي محمد بن عبد الله منتصف القرن 18م، أن كان أول من أقر تقليدا اتبعه جميع أسلافه من بعده الى الآن، وهو تدخل المخزن في تعيين زعماء الزوايا الصوفية وتسليمهم بذلك ظهير تسمية وترسيم.

ما يزال عدد من الرودانيين يتذكرون عقد الأربعينات وما قبله، معاينتهم لأكوام لفافات ثوب أخضر او غيره من الألوان حسب مرجعية المعتقد الصوفي، او مجرد غطاء الشعر- القطيب الأحمر، او قطعة إزار- الحايك الأبيض، بها دمالج المعصم وخلاخل الكعب وخواتم الأصابع وخيوط العقيق المرجاني والقرش الحسني أو الصولدي العزيزي...كومة حزمات مطروحة خلف شباك نوافد قاعة الصلاة-المقصورة، أو داخل المحراب- تاليمامت، بمقرات الزوايا دون أن يجرأ أحد على الاقتراب منها مخافة أن يصيبه الولي الصالح بإعاقة نفسيية – تشيير أو عاهة بدنية – تعوّج.

بخصوص تمكن المعتقد الخرافي من الناس، حكى لي الحاج ع .. رحمة الله عليه أثناء سفر الى الدار البيضاء، بداية مساره كان يكتري "مصرية" بدرب كسيمة ب 4 ريالات وعربة يدوية لنقل البضائع ب2 ريالات ويوفر "كنصور" ما بين 4 الى 6 ريالات يوميا، بها اشتريت محلا متهالكا للتجارة مبني بالطابية بطريق الحدادة، أثناء عملية الهدم التي كنت أتقاسمها بدراعي مع عاملين لإزالة نصف الجدار المشترك مع الزاوية اليعقوبية، عثرت على قلوش صغير لحفظ الادام مثمور في صدر الجدار، مملوء بقروش الحسني والعزيزي وصولدي الحفيظي، فانتابتني صدمة المفاجأة وهلع شديد زلزل قدماي فوق "سلم" قصير مرتبك أصلا لأنه معد بخشبتين وبعض أعواد جمعتُ الكل بحبل، بمجرد توقفي لمشاورة عامل الهدم ومساعدنا الذي يجمع التراب، رميا بأدوات العمل وأطلقا سيقانهما للريح خوفا أن يصيبهما الولي الصالح، بمكروه فادح، جراء الاعتداء غلى حرم زاويته، وهما أصلا مند البداية لم يستسيغا فكرة هدم نصف حرم الحدود.

في قصة مغايرة توضح مدى قدسية مقرات الزوايا في المعتقد الشعبي، كانت النساء الحوامل يقتلعن قليلا من ملاط الزاوية- قشرة تحريشة- للسواك به، فضبط مقدم الزاوية إحداهن فعاتب عليها مازحا "راه كليتو لمولاي عبد القادر جيلالي تحريشة وخليتوه عاريان لشتاء والبرد" المقدم قصد بالاسم الزاوية كمقر وتأثير المطر على الجدران، في الغد المرأة اشترت إزارا جديدا وأحضرته للزاوية "باش يتغطى مولاي عبد القادر من البرد" على حد قولها عن صادق نية وسذاجة عقلية، الولي صاحب الطريقة ضريح قبره بالعراق.

مقرات الزاويا الصوفية دون استثناء على غرار عامة أضرحة الأولياء، من زمان تتمتع بروحانية تمنحها قدسية في المعتقد الشعبي، فمن أودع بهما وديعة مهما غلا ثمنها وعلت قيمتها تظل في الأمان، ومن لجأ واحتمى بجوارهما فهو كذلك، ومن دخل حرمهما فهو آمن- قصة سبعة أقواس سيدي وسيدي- ولو كان متابعا بقصاص قتل النفس، يؤذن في الناس بانه ضيف الله وضيف الولي، معلنا التجائه للجوار والاحتماء بالمقدس والتماس القبول به، فيدخل الحرم المعلومة للمكان أمام الأشهاد، اليدين خلف الظهر- كناية التكبيل- مطأطأ الراس-التدلل، فوق عتبة مدخل المقر يمد عنقه ليوحي بتسليم رقبته للولي صاحب الزاوية أو دفين الضريح، بفناء الزاوية أو قبة الضريح يجثو على ركبتيه وراحة يديه ليقبل أرض المكان كي تقبل به المقر، وقد يزيد على ذلك ببسط خذه الى التراب أو الحائط استعطافا للجوء، وزيادة في استدرارا طلب القبول به في حمى الحرم، فيبقى على هذا الحال لا يبرح المكان قصر الزمان أم طال، قد تصل مدته ويبلغ مداه حولا كاملا أو أكثر، يتداول خبره هجيج الركبان، وتتناقله قوافل الجمالة والفرسان من بلد الى بلد، الى أن يصل الجماعة صاحبة القصاص فتعفو تلقائيا اذا ارتأى لها الأمر لذلك سبيلا، أو يتدخل الغير لافتدائه تبعا لنفوذ زاوية اللجوء وانتشارها الموسع، أو تعويضا ماديا منها خاصة عقب موسم الرّكب حيث يفيض مدخول صندوق هبات "الفتوح"، ويُعلم بأمر اللاجئ من خلال حمله عصّابة فوق الجبين كناية عن كون بدنه مرهون بدية فدية، العصّابة تقتطع من ثوب كسوة الضريح أو الزاوية لحظة تجديدها في اطار الترتيبات الاعدادية لموسم الركب السنوي، أو حمل سبحة معلومة لمريدي الزاوية، السبحة تعقد في العنق كناية عن كون رقبته مربوطة بجناية، سبحة الأحمديين  يعدونها بحبوب الأركان الرقيقة الغير قابلة للتدوير.

هذا هو أصل عادة شريط الثوب الأحمر أو الأخضر الذي نشاهده احيانا يضعه كعصّابة للرأس بعض ممارسي طقوس المواسم، والبعض الآخر اجتهد بجعله غطاء كلي للرأس "فولار" أو طاقية مزينة بالقشريات الصدفية، أيضا بالنسبة لموسم الزاوية الحمدوشية والعيساوية أصله أن منتسبي الطريقة أثناء سرد الوظيفة بالزاوية وترديد الورد الجماعي، جلهم يصل درجة أولى من السمو الروحاني، فيبدأ لطم الفخد براحة اليد لطما خفيفا مسايرة للإيقاع السماعي الجماعي، هذا الايقاع قد يرتقي لدرجة ثانية من سمو الوجدان والروح يتماهى معه الجسد، وتتراقص السواعد بسطا وقبضا، وتتمايل الرقاب بالرؤوس ركعا ورفعا، لما تسقط عمامة المريد تتلقفها يده ليبدأ في الهش بها على كتفيه، وقد تنتقل اليد من اللطم الخفيف على الفخذ الى الجباه، وكلما زاد ايقاع الأصوات الجماعية بلهج الذكر، وعلى بالتسبيح والحمدلة، وارتفع بالتصلية والهيلالة، زادت معه قوة السمو الروحاني، واستشعار درجة نشوة الجدب الجسدي، في نهاية الورد الوظيفي الذي يبدأ عصر الجمعة الى الاصفرار، يشعر المريد بإحساس المغشي عليه الذي استفاق من غيبوبته، وقليل من يدرك هذه المرتبة الروحانية التي تمسي ارتباط رباط إدمان والتزام موعد مكان، لكن مع تعاقب الأزمان والأجيال انحرفت الطريقة عن أصلها الصوفي من لطم الأكتاف بالعمائم الى جلدها بالسلاسل، وقرع الجباه بالهراوات، وشق الرؤوس بالفؤوس والمشي فوق زجاج الكؤوس، وأكل أظلاف الصبار بالأشواك، وسلخ الماعز بالأسنان حيا، ونهش لحمه نيّا وهو يئن ثغاء في مشهد كالسباع يتبرأ منه أوائل الأتباع.  

كل زمن وتارودانت بألف خير

 





 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة