أضيف في 9 غشت 2020 الساعة 10:38


عبد السلام بزيد يكتب: أما بعد


بقلم: عبد السلام بزيد/مدينة تارودانت

بعد كل هذه السنوات من الزواج، لم تراودني مثل هذه الأفكار يوما، ولم أتجرأ حتى على طرح هذه الأسئلة على نفسي من قبل!

كان الجو ساخنا..ليلة من تلك الليالي التي تأبى الجفون الانصياع لأوامر الطبيعة البشرية..ويغيب النوم!

صعدت السلالم أطلب سطح البيت، ولم استعن بالضوء، واكتفيت بضوء قداحتي حتى لا أوقظ زوجتي التي استغرب كل مرة كيف يغمض لها جفن في خضم كل ما نعيشه من صراعات..من ألم.

فما إن تحط رأسها حتى تسمع شخيرها العابر للقارات!

ركنت إلى شرفة مطلة على الحي الذي اقطنه؛ وقد نافت الساعة الثانية صباحا، هدوء يعم الحي، اللهم من صراخ أو أنين بين الفينة والأخرى، يفتض عذرية الهدوء؛ ويجعلك تتحسس مصدره!

بعض السكارى يترنحون..بعد إفراطهم في الشرب يحاولون ضرب بعضهم، وتخونهم عضلاتهم المتراخية من كثرة الشرب؛ ويكتفون بكيل بعضهم السب والشتم بألفاظ لا وجود لها بقواميس جيلي.

استغرب لما آلت إليه الأمور!

أشعلت سيجارة ونفثت دخانها بعيدا ورفعت بصري فلاح لي طيف، حاولت جاهدا فك شيفرة ملامحه!

مع اقترابه من باب منزلي تيقنت أنه ابني "جاد" ذو السابعة عشر عاما، تراجعت للخلف وأنا أتابع حركاته، فلمحته يسل شيئا من جيب بنطاله ويضعه داخل أصيص وضع بجانب باب البيت!

وبعد أن سل مفتاح البيت، دلف متلصصا إلى غرفته دون أن يحدث ضجيجا!

كان الفضول يدفعني لنبش التراب بذاك الأصيص لمعرفة ما ترب بداخله!

ثريت حتى نام "جاد"، ونزلت السلالم بتأن وفتحت الباب ونبشت الأصيص وصدمت لهول المفاجأة!

كانت قطعة حشيش لا بأس بها قد تزن 20 غراما!دارت الدنيا بي وتهت في الزمان والمكان، وتعذر علي اتخاد قرار ما!

هل أردها إلى مكانها وأسكت؟ هل آخذها وأواجهه بها صباحا؟

الوغد لم تفلح فيه تربيتي...هذه نتيجة تدليل أمه له، كلما حاولت تنبيهه لأمر ما؛ وقفت دوني وأسمعتني من الكلام أقبحه!
 
لا أدري كيف تخلصَت من تلك الطيبوبة التي كانت تعاملني بها قبل خطوبتنا؟
بل كيف انسلخت من جلدها، وصارت سليطة اللسان، قبيحة الشكل، تزيد ثخانة يوما بعد يوم، ولم يعد بينها وبين الأنوثة إلا الخير والإحسان!

صعدت إلى السطح مرة أخرى و قطعة الحشيش بيدي، أقلبها بين أصابعي، أشمها وأداعبها، وأضغط عليها حتى تعرقت وفاحت رائحتها، للأمانة كانت  صنفا جيدا، حركت بدواخلي رغبة مفاجئة، وذكرتني بالأيام الخوالي!

أوقدت فتيل سيجارة وشربت دخانها دون توقف، وقذفت بقاياها بعيدا، ثم أفرغت واحدة أخرى من التبغ وحشوتها بقليل من الحشيش والتبغ الذي أفرغته من قبل، وقبل أن أشرع في تدخين تلك اللفافة نظرت اليها مليا؛ وكأني أنظر إليها نظرة الوداع، وأشعلت فتيلها، ورحت أمتص وأمتص، فيما كان بدني مقشعرا، وكأن الحياة تدب فيه من جديد!

أسندت رأسي إلى الحائط، وأحسست بانتشاء، وبتدفق الدم في شراييني، وكأن حشرة ما تركض بداخلها، وبدوار بدا في الوهلة الأولى خفيفا.

أغمضت عيني وتراءت لي وجوه وأشباح و أشياء لم أفلح في تحديد معالمها، حاولت الوقوف...!

لم تعد ساقاي قادرتين على تحمل جسدي الذي بدا مرتخيا، قاومت وقاومت، حتى وصلت أسفل السلالم وتوجهت لغرفة نومي فنزعت عني كل ملابسي عدا الداخلية منها، وارتميت جنب زوجتي، فما كدت أن استوي حتى أحسست برغبة ملحة في القيء ووساوس تركب رأسي..شعرت وكأني وسط ضباب أحاول جاهدا التوازن فتزل قدماي..فقمت مهرولا مترنحا، فتحت باب البيت لأتقيأ خارجا حتى لا أثير شكوك زوجتي متفاديا أسئلتها، كدت أن ألقي أحشائي من ضغط الاستفراغ، وبعد فراغي  دفعت الباب ووجدته موصودا!

احترت في أمري وجلست القرفصاء أمام الباب لا ألوي على شيء!

سبحت في بحر التفكير متسائلا عمن يكون ذاك الوغد الذي أوصد الباب حتى تعبت من التفكير، لم أشعر بسلطان النوم وهو يسدل علي ستاره، لم أستفق حتى سمعت ضجيجا، وزوجتي تصرخ وصوت سيارة الاسعاف جانب الدار والجيران يحوقلون ينظرون إلي بنظرات غريبة، نزل شخصين من سيارة الاسعاف وألبسوني وزرة بالمقلوب وكنت أصرخ قائلا:

- لست مجنونا..لست مجنونا !!

فلاح لي ابني بين الحشود وناديته قائلا:

- أخبرهم يا جاد..أخبرهم ليس بي مس من الجنون!

لم يرق قلب ابن العاهرة..ربما تكون هذه فرصة ذهبية له ليرتاح مني بعض الوقت، فتبادرت إلى ذهني فجأة قطعة الحشيش ثم قلت:

- جاد..جاد..جاد !

فانتبه إلي ثم أشرت إلى الأصيص وأردفت قائلا:

- الأصيص..الأصيص يا جاد!

فرأيته يدفع المحتشدين متوجها إلى الأصيص فنبش التراب ونظر إلي بنظرات شزراء قبل ان تنطلق سيارة الإسعاف فأطرقت قائلا:

- ألم أخبرك يا جاد أنني لست بمجنون..!




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة