أضيف في 16 غشت 2021 الساعة 06:31


حوار أدبي مع الكاتب شكيب أريج



 
حاوره: كمال العود
 
1-    من هو شكيب أريج؟

لا أعرف بكل صدق. وأدع لك الحق في التعريف.
 
2- نأمل في بداية حوارنا أن تقدم لنا نبذة عن تجربتك القصصية؟  

في البدء كان هوسا بقراءة القصة، ولا أخفيك أنني كنت دائما منبهرا بالمفاجآت التي أجدها في القصة، بدءا من قصص الأنبياء وقصص الحكواتيين ثم قصص سير عنترة وسيف بن دي يزن وكليلة ودمنة وألف ليلة وليلة وكنت أظن في بادئ الأمر أن لهذا الشلال من الحكايات منتهى لكني مع الوقت أدركت أن بإمكان القصة أن تكون أفضل ما نواجه به سطوة الفراغ وكآبة الخواء من حولنا، هكذا انتقلت من حالة الاندهاش من قصة تروى لنا إلى حالة اندهاش من قصة نرويها أو قصة نحن موضوعها، فلم أكتب يوما قصة خارج إطار القلق الوجودي أو بعيدا عن حالة دهشة طفولية مستبدة، لذلك لا اطيق القصة البلهاء التي تروى فقط للإمتاع والتسلية وتنويم الأطفال وبالمقابل أحبها قصة رجَّةً للوعي وأطيق أن تكون قصة مشاغبة مشاكسة، وربما لا زلت أتوثب لأصل إلى هذا الأفق وأشتغل على هذه الكيمياء المدهشة التي تسمى "قصة".
 
3-    وما الجدوى من الكتابة في نظرك؟  

أمام فيوض الكتابة الموجودة في هذا العالم أقول لنفسي أحيانا: القراءة أولا وأولا وأولا ثم الكتابة.. بمعنى ما القراءة هي الوجه الآخر للكتابة، القراءة هي جدوى الكتابة، وما دام هناك أناس يقرؤون في هذا العالم فتمة شيء من الجدوى.
 
4-     في قصص "مدينة تأكل أولادها" تركيز واضح على القضايا الاجتماعية.. ترى إلى أي مدى تستطيع القصة القصيرة أن تغيير مفاهيم ورؤى المجتمع؟  

قصص مدينة تأكل أولادها تضع "زووم" على ظواهر اجتماعية بعينها، تتعمد الإحراج بلغة أدبية. ففي العمق توجد قيم إنسانية تؤطر هذا المجتمع وله مفاهيمه الثابتة ورؤىً يتجاذبها النبل تارة والخسة تارة أخرى، فالقصة في مدينة تأكل أولادها لا تزيد على أن تحارب تبلد الأحاسيس ومحاولة لإيقاظ الضمائر أمام هذه القضايا بل وترجيح الكفة لتتبيث مفاهيم العدالة والقيم النبيلة وهي بالمناسبة مفاهيم وقيم غير غريبة عن هذا الكائن، إنها الأصل الراسخ وقد تؤدي القصة وظيفة تجلية وتوضيح وتصحيح ومساءلة، لا أعتقد أن القصة تغير بشكل مباشر لكنها ذراع من أذرع التغيير بالتأكيد.
 
5-    ماهي التقنيات السردية المعتمدة في مجموعتك القصصية؟

وأنت تكتب تكون حريصا على تقديم قصة تجيد فيها على مستوى اللغة، السرد، الفكرة، الحوار، الوصف، استحضار مدونات أخرى، واحتضان أشكال أخرى من الكتابة.. لكن الكيمياء التي تنصهر بها مجمل التقنيات والفنيات لا تخضع لبرمجة وهي تُستنبط بشكل بعدي، فحين يقرأ القارئ المنجز الإبداعي ينبهك إلى أنك أغرقت لغتك بالتشبيهات أو أنك تشتغل على نسج علاقات بين قصصك. أو أنك مزجت بين إيقاع القصة والرواية.

وأعتقد أن التقنية التي كانت مقصودة وفيها اشتغال وصنعة هي التصريع السردي كما ذكر الناقد  طلال مرتضى في مقالة له، والمقصود هو إيجاد تقابلات وتقاطعات بين القصص والأحداث والشخصيات وحتى بين العبارات شكليا. ففي مدينة تأكل أولادها خيط ناظم بين كل النصوص فهي القصص وحدات صغيرة ضمن وحدة كبرى ولذلك يُبيح كثير من القراء لأنفسهم وصف الإصدار بأنه رواية ولا يمنع ذلك من النظر إلى النصوص الكائنات على أنها قصص، كل واحدة لها خصوصياتها.
 
6-     إلى أي حد يمكن للمكان أن يكون عاملا للخصوبة على مستوى الإبداع السردي؟ وما مدى حضوره بمجموعتك "مدينة تأكل أولادها"؟ نفس الأمر يطرح بشأن عامل الزمن من حاضر أو ماض أو مستقبل؟  
 
المكان ملهم بشدة وخاصة حين يكون مدينة، وتكون هذه المدينة ذات عمق تاريخي ضارب وتشابكات اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية، لا عذر للكتاب والكاتبات مع وجود أمكنة بهذا الغور والغنى. كما يبدو من عنوان "مدينة تـأكل أولادها" فإن المكان بطل وشخصية أساسية، هو المبتدأ والخبر، هو مدينة ليس بالضرورة أن تكون مدينتي، إنها مدينة تختزل مجموعة من المدن التي انطبعت في ذاكرتي بتفاصيلها الصغيرة، بأزقتها ودروبها وشوارعها وساحاتها ومرافقها: المساجد، المدارس، مفوضية الشرطة، الأسواق، الحوانيت، المستشفى.. وبيوتاتها ومساكنها (الراقية منها أوالبئيسة).. هذه الأفضية كلها لا يمكن استحضارها دون أسسها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.. وهي طبعا ليست مدينة نحاسية مهجورة، ففيها تسري الحياة وتتشابك المصائر فتأتي الحُبَكُ تلقائيا ولا تحتاج إلا إلى خيال ولغة تطوعها وتعرضها.

البنية الزمنية هي مستوى آخر ربما أكثر تعقيدا لو جاز لنا فصله اجرائيا على الأقل عن المكان، ولن أتحدث هنا عن البنية اللغوية للزمن على أهميتها لارتباطها بمجال بحوث لسانية له أهله وسأركز على الاشتغال السردي على الزمن، فالأحداث على طول النصوص لا تأتي مرتبة، بل فيها الكثير من القفز، لكنها في عقل القارئ تتكامل بشكل مثير ومختلف، فأنت حين تقرأ ستجد السرد كفنار الميناء حين يمر على حدث شارد يضيؤه ويُجَلّيه بحيث يجعلك تفهم حدثا سابقا أو لاحقا. ثم إنك في قصة دموع السنونو ستقف على بنية زمنية مربكة تضع سيناريوهات مختلفة لأحداث القصة الواحدة، فما دامت القصة خيالا فمن الممكن أن أضع القارئ في زمنين تفصل بينهما شعرة.. زمن المأساة وزمن الملهاة. باختصار الزمن في قصصي ليس زمنا فيزيائيا فقط بل هو زمن نفسي، زمن ذهني يمكن تمطيطه أو جعله في سرعة البرق، أو استرجاعه، بل يمكن تلوينه بالأحاسيس وتغييره أو اعادته بشكل آخر كما في القصة الأخيرة "دموع السنونو".
 
7-     إلى أي حد قد تكون الأحداث والوقائع الاجتماعية أو السياسية أو غيرها دافعا مباشرا للإبداع؟
 
لا شيء مباشر في لغة غير مباشرة، بل إن الإبداع نفسه هو لغة غير مباشرة.. الأحداث والوقائع الاجتماعية والسياسية وغيرها تسير كنهر والكتابة هنا لا تدعي أنها شبكة ستوضع في عرض النهر لالتقاط هذه الوقائع والأحداث كما هي بشكلها الطازج والمباشر.. أو أن المبدع عليه أن يكون عرضة للوقائع تفعل فعلها به وتكون سببا مباشرا في زجه في أتون الكتابة. تصوري الخاص أن المبدع يدع الأحداث تمر وتتكرر ويمسك بتلابيب الأفكار، قد يرسمها في إطار أحداث وشخصيات أخرى من مخيلته بحيث لا يحدث قطيعة مع مجتمعه وما يَنغُل به من اديولوجيا وسياسة وفي نفس الوقت يكون له تفاعل فني وإبداعي ملونا بمواقفه وآرائه. هكذا لا يكون الواقع رغم أهميته هو الدافع الوحيد ولا يكون دافعا مباشرا.. إنها دوافع متشابكة منصهرة في بعضها البعض لأجل واقع مختلف ومغاير ولتفادي الميكيانيكة أوالبافلوفية.
 
8-    - للأدب أثر عظيم في تربية الفرد والمجتمع، هل تزيد لنا هذا القول إيضاحاً؟  

قبل الإجابة عن سؤالك دعني أذكر بأن كلمة "أدب" la Literratura تحيل في الثقافة الغربية على الحرف والقراءة والكتابة في حين أن جذور الكلمة في الثقافة العربية وبالضبط قبل الإسلام تحيل على الدعوة إلى المأدبة أو الطعام، وفي وقت لاحق بعد الجاهلية أصبحت بمرادف التهذيب والتعليم كما في حديث الرسول الكريم" أدبني فأحسن تأديبي" وبعد ذلك في صدر الدولة العباسية أصبحت الكلمة تدل على معرفة أشعار العرب وأخبارهم. لكن المعنى الاصطلاحي خاصة الذي يركز على وظيفة الأدب سيكون أهم للإجابة عن سؤالكم، ذلك ان هناك اختلافا كبيرا في تحديد وظيفة الأدب بين من يحصرها في الجانب التثقيفي والتعليمي والتربوي ومن يرى أن الأدب رسالة وقضية وجود وبين من يعتبر الأدب وسيلة تعبير فنية وجمالية، أمام هذا التنوع يبدو لي أن الأدب لا يمكن أن يحل مكان الأخلاق والتربية. ألم  يقل الشاعر  الإنجليزي إليوت "لا شيء في هذا العالم يحل محل الآخر" وطبعا هذا لا ينف بأي حال أن هناك علاقة جدلية بين تربية الفرد والمجتمع وبين وظيفة الأدب، بدليل أن الكثير من الأعمال الأدبية التربوية والتعليمية استعملت للتأثير على الأفراد والمجتمعات، لكن تأثيرها غير مباشر ولا تظهر آثاره على الأمد القريب..  

في كتابتي للقصة، وبكل تواضع، لا أعول عليها لإثارة الزوابع والتوابع والزلازل والقلاقل، لكني مؤمن بحدود القصة الدنيا في تلطيف المناخ الثقافي وترقية الذوق العام وإيقاظ الضمائر الحية وبعدها تأتي الأخلاق والدين والسياسة واللغة والفكر ووسائل التواصل الحديثة لتغير بالمعنى الإيجابي وتحدث الرجات وتقلب الموازين وتؤثر في الفرد والمجتمع.
 
9-     كيف ترى مستقبل القصة القصيرة بالمغرب؟  

رغم اهتمامي منذ أزيد من عقدين بالقصة القصيرة في المغرب فإنه لا يمكنني الإحاطة بكل ما كتب أو ما سيكتب لأكون رؤية قاطعة جازمة، ومع ذلك يمكن أن أقول إن القصة القصيرة جدا والرواية فًرْمَلَتْ الاندفاعة القوية للقصة القصيرة بالمغرب، لكنها لم تحد من انتشارها واستمرارها، وكأن الأمر يتعلق براحة بيولوجية ستؤدي في رأيي المتواضع إلى زخم وتنوع على مستوى الشكل والمضمون وعلى مستوى الكم والكيف مستقبلا. وعلينا أن نأخذ بعين الاعتبار التحولات الأجناسية التي لا زالت محط تنويعات دون أن نغفل أن القصة في جميع الأحوال لا زالت تشكل العمود الفقري لشتى التنويعات والحساسيات الجديدة.
 
10-    كيف تقيم المشهد الثقافي بالمغرب بصفة عامة ومدينة تارودانت بصفة خاصة؟

المشهد الثقافي نلجأ الى تقسيمه محليا وجهويا ووطنيا وعربيا ودوليا بشكل اجرائي لكنه في العمق وفي زمن العولمة أصبح مترابطا ويحيل على بعضه ولا يمكن النظر لأي إبداع على أنه ينتج في عزلة عن الكل مهما بدا مغرقا في محليته أو بعيدا في كونتيه. إذا كنا ننطلق من هذا الوعي فسنرى المشهد الثقافي المغربي مقارنة مع محيطه وبتفاؤل بيئة خصبة تعج بالإنتاج الأدبي الذي ينظر اليه باحترام ويترجم منه ما يعطي صورة أولية عنا خارج الوطن. وبالنظر إلى المؤسسات والتظاهرات الثقافية فهي مرتبطة بحبل سِري وسُري إلى السياسة العامة للبلد ولن يكون المثقف حتما راض عنها إلا بقدر تدجينه أو حريته.  

وحين أقترب أكثر نحو واقع الثقافة بتارودانت فكأنني أعطي صورة لجزء من الكل، سنجد الإنتاج الأدبي في اطراد وتحول وهناك حركية ثقافية، مثل بقعة من أمواج البحر صعب أن تميز بين لون وطعم مائها ودرجة حرارتها لتقارنه بالمحيط كلك، خاصة حين تكون أنت ضمن هذا الجزء مجرد قطرة، هكذا فهذه القطرة بكل ادعاء وتبجح تقول: إن الواقع الثقافي فيه تدافع وتماوج وتغييرات، هو مناخ ثقافي صحي على أية حال يحتاج إلى من يفرض إبداعه لا بغاية منافسة ما هو محلي بل ما هو كوني.. لذلك أعتبر ما يمور في هذه النقطة طيلة عقود مخاضات يجب أن تفتح آفاقا كبرى لينبري مثقفين جدد بمشاعل تكبر الشعلة داخلها جيلا بعد جيل.
 
11-    ما رأيك في دور النشر ودورها في تقنين عملية النشر واظهار العمل الجيد؟  

ينبغي أولا تبديد سوء فهم لدى القراء والكتاب الجدد، فهناك الكثير من المطابع والجمعيات والمؤسسات ينظر إليها على أنها دور نشر، حتى أن بعضها يسمى نفسه كذلك وهو ليس إلا وسيطا يمارس السمسرة في هذا المجال الذي كثر فيه المتدخلون. للأسف دور النشر قليلة وسياساتها بعيدة عن الثقافة قريبة من الاقتصاد في أحسن الأحوال. هناك دور محوري لدور النشر في تقنين عملية النشر وإبراز الغث من السمين لكن الدور المحترمة ذات السمعة الجيدة قليلة ومكلفة حتى أنها أصبحت تحتاج إلى وساطات. ويصعب على لجان القراءة داخلها الاطلاع على كل الأعمال التي تتوصل بها وتصحيحها وتجويدها واشهارها. ولأن هناك تراجعا لدَور دُور النشر، فقد تسلط على هذا المجال العديد من السماسرة والتجار وتُرك الحبل على الغارب للمطابع والجمعيات التي قلما تخضع الأعمال قبل طبعها لاعتبارات الجودة على مستوى الشكل والمضمون.
 
12-    بعد مجموعتك الأولى، ما المشروع الأدبي الذي تعمل عليه حاليا؟  

أشتغل حاليا على ببليوغرافيا للسرد بتارودانت تضم وصفا وتعريفا لكل الإصدارات التي كتبت في القصة والرواية والرحلة والسيرة والمقامة منذ بداية الطبع إلى 2020. ولدي بعض الكتابات النقدية والقصصية جاهزة تحتاج فقط إلى جرأة النشر.
 
كلمة أخيرة؟

أسئلتكم كانت مثل سهام تضرب بعيدا في المدى الثقافي، وهذا ما نحن في حاجة إليه لكي نسائل هذا الواقع الثقافي والأدبي أكثر. وأتمنى أن ينظر إلى إجاباتي على أنها محض عتبات لأسئلة أخرى، وليست الغاية هي تكسير النصال على النصال أو أسئلة الأسئلة لكن الغاية هي تفتيح وعينا على مواطن القصور الكثيرة في تصوراتنا الأدبية والإبداعية والثقافية، والوقوف عند الشروخ العويصة التي تقف حجارة كأداء دون التعبير الإبداعي.




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



حوار مع رئيس الكونغرس العالمي الأمازيغي فتحي بنخليفة

حوار مع رئيس جمعية أزا للثقافة والبيئة والتنمية الإجتماعية

حوار مع الفائز بالجائزة الاولى في صنف القصة القصيرة بالأمازيغية

الفنانة فاطمة أبنسير لتمازيرت بريس المسرح الأمازيغي يعاني في غياب الدعم

الدمناتي : لابد من الحيطة والحذر أمام القوى المحافظة المناهضة لترسيم اللغة الأمازيغية

حوار مع عميد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية

حوار مع المدير الجهوي لوزارة الاتصال – جهة سوس ماسة درعة - السيد مصطفى جبري

الدكتور الحسان بومكرض عميد الكلية المتعددة التخصصات بآسفي يتحدث عن جديد الدخول الجامعي 2012/2013

وفاء مرّاس : منطقة تاهلة ساهمت في الاستقلال لكن نالت التهميش والإقصاء

ضرورة توحيد اللغة الأمازيغية من حيث الرسومات