أضيف في 6 مارس 2022 الساعة 17:39


الثقافية بين الحق والإقصاء


 

متابعة: كمال العود

تباينت آراء المفكرين والفلاسفة في تحديد مفهوم الثقافة، لكن معظم التعريفات خلصت إلى أن الثقافة هي ثمرة كل نشاط إنساني محلي نابع عن البيئة، ومعبرا عنها ومواصل لتقاليدها في هذا الميدان أو ذاك.

فالثقافة باعتبارها نشاطا إنسانيا مرتبطا بالبيئة التي يعيش الإنسان تحت ظروفها، وهي التي تساهم في توليد ثقافة مختلفة بقدر يصغر أو يكبر عن الثقافة المتولدة لدى الإنسان الآخر، هذا الأخير الذي يعيش بدوره تحت ظروف بيئية مختلفة، وهذا ما يدفع إلى التمييز بين الخصوصيات الثقافية لكل شعب بناء على أسلوب تفكيره وموقفه من الحياة، ذلك أن الثقافة تستند على المحيط الفكري الذي يعيش فيه الإنسان وفقا لنمط عيشه وظرفه الاجتماعي والاقتصادي والنفسي.

فالنشاط الثقافي هو -كما يرى جون ديوي- محصلة التفاعل بين الإنسان وبيئته، فثقافة شعب ما هي جماع المعارف الإنسانية لذلك الشعب في محاولته للوصول إلى حالة من التوازن مع الظروف الحياتية التي يحياها، وهي إبداع حالة تكيف مثلى مع الشروط التي تفرضها البيئة المحلية والعلاقات المتشكلة مع الشعوب ذات الثقافات الأخرى، في اختلاف النشاط الثقافي تثار حالات الجدل بين الشعوب، وحتى بين فئات الشعوب نفسها، مما يدفع كل فئة إلى تأكيد كيانها واستقلاليتها عن الآخرى.

بحكم إيماني بدور الثقافة فقد وقفت طويلا أمام هذا الكتاب النظري والتطبيقي في آن واحد، الذي يضم بين دفتيه أمثلة معارف ثقافية وبالخصوص ما يتعلق بالمشاركة الثقافية وما يصاحبها من اكراهات استنادا لشهادات وحوارات مع شخصيات متمرسة في الميدان الثقافي والجمعوي.

يقول عبد الحنين برهي عن فكرة كتابة هذا المؤلف "المشاركة الثقافية بين الحق والإقصاء":"جاءتني فكرة هذا العمل أولا من خلال تجربتي السابقة كفاعل جمعوي سابق في بلدي المغرب، ثم من خلال مساري الدراسي والمهني كمساعد إجتماعي في الحقل الثقافي والإجتماعي في دولة بلجيكا حيت لمست مدى أهمية "الثقافة" و"المشاركة الثقافية في المساهمة في تقدم المجتمعات (المجتمع الفلمنكي كمثال)، خصوصا في ظل الإهمال الذي يطال المجال الثقافي في مجتمعنا، وكذلك من خلال الصور النمطية المقرونة به".

يقع الكتاب في 94 صفحة وينقسم إلى ستة فصول، فضلا عن المقدمة، والخاتمة، وثبتا بالمراجع والمصادر العربية والأجنبية.

فالفصل الأول يناقش بصفة عامة الأحياء السكنية، ليبدأ بها نقاشه حول ماهية الأحياء ووظائفها وبنياتها. 

يعرف الكاتب الحي بأنه " ظاهرة إجتماعية عمرانية ذات أبعاد متعددة، وواقع معقد ومركب يحتم على كل من يشتغل أو ينشط داخل نطاقه سواء في الميدان الجمعوي أو السياسي أن يستوعب مفهوم الحي كظاهرة إجتماعية مركبة تحتاج لتدبير وتخطيط مقلن...". 

ثم ينتقل الكاتب ليناقش وظائف الحي التي لخصها في ست وظائف وهي: الوظيفة الصحية، الأمنية، البيئية، الاقتصادية، التربوية، والاجتماعية، ويرى الباحث في خاتمة الفصل أن الرأسمال الإجتماعي -الوظيفة الإجتماعية- تساهم في تحسين حياة الأفراد، وفي توفير بعض المصالح وتحسين مركزهم الإجتماعي.

وفي الفصل الثاني "جمعيات الأحياء وأدوارها" يطرح الكاتب تصوره عن جمعيات الأحياء التي يعتبرها "شكلا من أشكال التنظيم السكاني، وهي ظاهرة ديمقراطية ردا على البيروقراطية المركزية بالمدن الكبرى"، كما حدد الكاتب أدوار تلك الجمعيات والتي تتجلى في ترسيخ القيم والتماسك الإجتماعي وتنمية روح المواطنة، خلق شراكات، تنظيم الأنشطة الثقافية...ويؤكد أن هذا الفصل يهدف إلى خلق نظرة نقدية مركبة لدى الفاعل الجمعوي لتساعده على المساهمة بكفاءة في عمله وتأدية دوره بشكل فعال.

وفي الفصل الثالث بعنوان "دُور الحي/الشباب وأدوارها" يبدأ الكاتب فصله بإقراره تراجع دَور دُور الشباب بناء على ربورتاج بأحد المواقع الالكترونية، ليعرج على أدوار تلك الدُور وأهميتها داخل التجمعات السكنية.

أما المبحث الرابع بعنوان "الثقافة" يبدأ الباحث بتعريف مفهوم الثقافة رغم صعوبة تحديد المصطلح مستعيرا من الأكاديمي سليمان الضحيان تحديده لإشكالية التعريف "مصطلح الثقافة من المصطلحات الاشكالية في الفكر العربي"، رغم ذلك عمد الباحث إلى مجموعة من التعريفات من قبيل التعريف اللغوي، وبناء على اعتمدته بعض العلوم الاجتماعية (الفلسفة، الأنتروبولوجية، علم الإجتماع).

في الفصل الخامس "المشاركة الثقافية"  التي يعتبرها الباحث حق تندرج ضمن الجيل الثاني من حقوق الإنسان بناء على ما جاء في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي يقر بأنه من حق كل فرد أن يشارك في الحياة الثقافية.

أما الفصل السادس والأخير فقد تضمن شهادات وحوارات حول الجمعيات وواقع المشاركة الثقافية، فيه عرض وجهات نظر ومواقف مختلفة لامست واقع الثقافة والفعل الجمعوي بمدينة تارودانت والنواحي.

في نهاية هذه الورقة التي أتت على فصول الكتاب أرى أن الكاتب رفد المكتبة المغربية والرودانية بكتاب يستحق الإطلاع والاقتناء، لكسب معارف ثقافية وإجتماعية وحقوقية، جاءت بأسلوب سلسل اعتمد عل منهجية من العام للخاص.

عبد الحنين برهي، كاتب وباحث مغربي -تارودانت- مقيم بالديار البلجيكية. أستاذ سابق، حاصل على إجازة في مجال المساعدة الاجتماعية. يعمل حاليا كمساعد إجتماعي في إحدى مدن الشمال البلجيكي في ميدان الهجرة والإدماج.
صدرت له مجموعة قصصية "في الحافلة" 2019، وكذلك "خواطر الهامش" 2021.

 





 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة