أضيف في 18 فبراير 2014 الساعة 19:18


السكار أو الملح أو الطانسيون


محمد جمال الدين الناصفي

وأنت تفتح نافذتك  في الصباح الباكر لتستنشق نسيم الهواء، تتفاجأ بجارك وهو يضع أكياس أزباله أمام منزلك ،وأنت تتهيأ للفطور تكتشف أن الخبز والسكر قد غادرا البيت إلى حين، وأنت تستعد للخروج لعملك يأتيك صوت زوجتك من تحت فراشها بأن صلاحية بوطاكاز انتهت، وأن حبات الدقيق المتبقية مملوءة بحشرات الكوز ولم تعد تصلح إلا لقمامة الأزبال ،وأن خالتها مريضة وفي حاجة لمساعدتها لشراء الدواء، وأنت تغادر البيت و تترجل في زقاق الحي، تسمع أصوات صياح امرأة تنبعث من أحد نوافذ  المنازل المجاورة تطلب النجدة والاستغاثة من عنف زوجها،وأنت تستعد للسلام على من تصادفه في الشارع العام فلا أحد يرد السلام والكل يتجنب الكل ، في الشارع، في المتاجر، في الإدارات ، في الطاكسي و في الأطوبيس ، في كل مكان تجد الكآبة تجثم على الجميع، وأنت تدخل لمقر عملك يستقبلك رئيسك بالتكوشير وبابتسامة تترجم قمة الخبث والنفاق ، وأنت توزع تحيات الصباح على زملائك في العمل لا تجيبك إلا الرؤوس المتحركة والمثقلة بدورها بكل هموم الدنيا وكأنها تحمل فوق أدرعها الحجارة والصخور ،وأنت تستقبل المواطنين في عملك لا تسمع إلا الأنين، وأنت ترد على الهاتف لا تصلك إلا أصوات كئيبة على نغمات  الحزن والقلق والنرفزة، وأنت تتفحص الملفات وتكتشف أن كل الأرقام زائفة ومزورة، وأن التقارير كاذبة، فتلتجئ لرؤسائك  فينصحونك بعين شافت وعين ماشافت ، وأنت تشعر بالضجر من حواليك وتضيق أنفاسك  من كل شيء تتمنى لو أن كل السحاب سافر بك إلى قمم جبال الأطلس حيث لا يصل إليك رنين الهاتف ، أو أخبار الظهيرة أو أنباء الكوارث ولا برامج التفاهة ،ولا استدعاء الشيخ أو أعوان السلطة ولا شكايات الجيران، وأنت مثقل بكل مشاكل البيت والإدارة والشارع تأمل لو أن ركنا من أركان المدينة يقبل بك ضيفا ولو للحظات لسكب كل دموعك وأحزانك في زواياه وتبكي ثم تبكي إلى حد الشهيق، وأنت تشعر بالصخب والضوضاء تهز أركانك تعشق لو أنك سافرت بعيدا على أمواج البحر لتحملك إلى الشاطئ الآخر حيث يعيش النورس واللقالق ، وأنت تحس بالقهر والظلم في كل مكان ، تتمنى لو أنك  كنت زعيم نقابة أو حزب سياسي أو جمعية لحقوق الإنسان ، لتقود مسيرة حاشدة من الشمال إلى الجنوب ، ترفع فيها شعارات ثورية نارية تلعن فيها كل مكونات اليسار واليمين، والإسلاميين والعلمانيين واللاهوتيين ، وأنت تسترق السمع من فوق سطح منزلك لأصوات الآخرين، فلا يصل إليك إلا نباح الكلاب ومواء القطط ، نهيق الحمير وصراخ الصبيان ومعارك الأزواج، ويسافر بك خيالك نحو الآفاق، تتمنى لو أنك تعيش في غابة موحشة و تحمل فصيلة القردة والخنازير، وأنت تعود إلى منزلك في المساء تشتاق أن تستمتع و تسمع من شريكة حياتك كل ما هو جميل، وكل ما يغري بالحياة، فتحكي لك هي عن أخبار الكوارث والمستعجلات وعن لائحة المرضى والمعطوبين و الموتى، وعن كل ما شاهدته أو سمعته من نساء الحي و برنامج قصة الناس والخيط الأبيض، ومشاكل كل أنواع البشر بإذاعات الحزن و الكآبة ، فتشعر بالسواد يحلق بك بعيدا نحو السراب، وكل الآفات تعتصر خيالك فتتملص بهدوء من قبضة رفيقتك بعيدا بعيدا حيث تطلب حق اللجوء الأسري، ولا تجد إلا مرحاض المنزل ملجأ لك ، لتستعيد بعضا من راحتك  ونشوتك وانسجامك مع كل أطرافك ،وأنت تستعيد حنانك الأبوي لتراجع الفروض الدراسية مع أبنائك  فتكتشف أن كبيرهم لازال يكتب مدرسة بالتاء المبسوطة، وأن كل اللغات تزاحمت في عقولهم الصغيرة ، وصاروا لا يفرقون بين العربية والأمازيغية والفرنسية والإنجليزية ، فتشفق لحالهم ولمدارسهم وأساتذتهم ، وتتمنى لو أنهم  رافقوا أمهم  لمحارية الأمية فهي أولى بهم، وأنت تشعر ببعض الإرتخاء والرغبة في الأحضان والإحتضان  وتتوسد صدر زوجتك  وتهيأ كل شيء لممارسة حقك الطبيعي معها، و بينما أنت تستعد لكل طقوس الجنس تبدأ هي بسرد كل عناوين البؤس و المآسي ، وأن عمتها على فراش الموت، وأن فواتير الماء والكهرباء لم تؤدى بعد، وأنها تشعر بمغاص في أحشائها ،وأن جارتها أخبرتها أن عائلتها تعرضت لحادثة سير مؤلمة ،وقتها تنزل عليك كل السمفونيات السادية كضربات السيف تقطع أوصالك وجوارحك وكل أحاسيسك إلى قطع صغيرة، فتتمنى لو أن الأرض انشقت و ابتلعتك  لتضمك إلى براكينها... وأخيرا تلجأ إلى بطانيتك و تتكمش القرفصاء في فراشك وتتجرع كل أنواع الألم والنكد حتى الصباح، حتى أحلامك المزعجة تتولى سياط ما تبقى من إنسانيتك ، وتشعر أن كل شيء في هذا العالم أصبح ضدك وضد كل أمانيك ، وأن الجميع حشد السكاكبن لذبح كل أحلامك ، وأنت تفكر في كل هذا السيناريو المرعب الذي تعيشه تحس بالهروب والفرار من هذا الجحيم الذي يلف حياتك  وحياة الآخرين مثلك ، حياة القلق المستمر، حياة يغلفها الطانسيون والملح والسكر، جميعهم تآمروا عليك ، فتكتشف ولو متأخرا أن لا ملجأ لك من هذا الجحيم إلا الفرار إلى الله  فهو وحده سبحانه يتولى أمرك .  

 




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



أحمد بوكماخ. تجربة تأليف مدرسي لم تتكرر.

حوار مضحك مع القذافي

حسن الفذ و الوقفات الاحتجاجية

خطاب القذافي الذي لم يذاع

شارل شابلن

القذافي يشارك في Gaddafi in Arabs' Got Talent

تارودانت 1954

بن بلة خان الجزائر والمغرب بكدبه وأشعل نار الحرب

بدون تعليق

وثائقي، عبد الكريم الخطابي بطل التحرير