أضيف في 26 أبريل 2012 الساعة 44 : 11


استبداد المخزن واستبداد الإسلاميين



استبداد المخزن واستبداد الإسلاميين

أحمد عصيد



انقسم الناس في مناقشة دفاتر تحملات القنوات التلفزية إلى معسكرين مختلفين، الأول ضدّ مافيات "المخزن" الإعلامي، والثاني ضدّ وصاية الإسلاميين على الإعلام الوطني، والمشكلة أن التيارين معا مغرقان في الخطأ لأن كلا منهما لا يرى إلا نصف الحقيقة، حيث يضطر إلى التحالف مع الشيطان ("المخزن" أو الإسلاميين) للدفاع عن أحد قطبي المعادلة التي ليست في حقيقتها ديمقراطية.
لا شك أنّ كل مواطن مؤمن بضرورة التغيير، لا يملك إلا أن يكون ضدّ لوبيات الفساد والإستبداد في الدولة ، ولكنه أيضا لا يمكن أن يقبل مناورات الإسلاميين لمصادرة الحريات وحقوق المواطنة، أو استعمال الدين للحجر على العقول أو إعادة تشكيل الرأي العام لصالح الإسلاميين عبرالقنوات الرسمية، فـ"التغيير" ليس هو التشبث بالسلطة المطلقة لـ"المخزن"، ولا هو الوقوع في كماشة الإسلاميين، بل هو وضع الضمانات والأسس القانونية للعدل والحرية والمساواة التامة بين الجميع بدون "ولكن .."، والإحتكام بعد ذلك إلى صناديق الإقتراع .
إن المخزن والإسلاميين يمثلان معا تهديدا للمشروع الديمقراطي، لأن أحدهما أنتج الآخر وفرخه ووفر له الأعشاش اللازمة لمُدد طويلة،  كما أن التواطؤ المعلن والخفي بين الطرفين أدى في النهاية إلى وضعية صعبة، أنتجت ممانعة ضدّ الوعي الديمقراطي في عمق المجتمع نفسه، وهي وضعية لن تفضي إلا إلى الإنتقال من استبداد إلى آخر مثيل له أو أسوأ.
كان "المخزن" رمزا للإستبداد الذي يرزح تحت نيره الجميع، علمانيين وإسلاميين، وكان الطرفان معا يتوقان إلى الإنعتاق والتحرّر، مع فارق جوهري سرعان ما ظهر خلال النقاش العمومي بالتدريج إلى أن أصبح واضحا منذ مدّة، وهو أن الطرفين وإن كانا متضرّرين من الإستبداد السلطوي لـ"المخزن"، إلا أنهما لا يعتمدان نفس المفهوم للحرية.
كان العلمانيون يرون أن الإختلاف والتعدّدية هما طبيعة المجتمع، وأن الحرية للجميع في إطار المساواة والإحترام المتبادل، بينما كان الإسلاميون يرون أن الحرية إنما هي من حقهم وحدهم من أجل "إقامة الدين" في الدولة، وأن حرية غيرهم "استفزاز لمشاعر المسلمين"  ومروق وزيغ وخروج عن "ثوابت الجماعة" و"تقاليدها الأصيلة"، ولهذا اضطر بعض العلمانيين، خوفا من المجهول، إلى النزول في محطة الإصلاح تحت مظلة السلطة، وعدم إكمال المشوار نحو التغيير الشامل الذي ينذر بالأسوأ، بينما اختار بعضهم الآخر الطريق الصعب، مواجهة الطرفين والتذكير بمبادئ الديمقراطية الحقّ بآلياتها وقيمها ومبادئها المتعارف عليها عالميا، والتي تضمن للأغلبية حقها في تولي وإدارة الشأن العام، مثلما تحمي حقوق الأقلية وحرياتها الأساسية.
كان استبداد "المخزن" ذا وجهين وعلى صورتين: يحتكر السلطة والمال ويفرض قيم الطاعة والولاء، و لكنه يترك للناس متنفسا لكي لا ينفجروا في وجهه، وكان المتنفس هوامش من الحرية في التعبير والتنظيم والإبداع الفني والأدبي، لكن بخطوط حمراء يعرفها زبانيته ويراقبونها، ولهذا كانت دولة المخزن مزدوجة الهوية والهوى، بواجهة حداثية ترضي العلمانيين وتمنحهم بعض الأمل، وواجهة دينية تقليدانية تخدّر الإسلاميين ولو إلى حين، لهذا كان اللعب على الحبلين لعبة المخزن المفضلة والمسلية.
أما استبداد الإسلاميين فهو يبدو بوجه كالح، لأنه يعمد إلى مصادرة تلك الهوامش بالذات، فالمستهدف الرئيسي لدى المتشدّدين هو الحريات بكل أنواعها، من حرية المعتقد مرورا بحرية التعبير وانتهاء بحرية الإبداع الفني والجمالي والأدبي، ولأن المرجعية الدولية لحقوق الإنسان تظلّ ملاذا لكل مظلوم عبر العالم، فإن الإسلاميين ـ مثل "المخزن" تماما ـ يتشبثون بـ"الخصوصية الدينية للمغرب" من أجل مصادرة الحريات والتحفظ على حقوق المواطنة الأساسية، وقد بلغوا في ذلك حدّ التنويه بالسلطات الأمنية عند اضطهادها للطرف الآخر، مثلما وقع لمسيحيين مغاربة، بينما ترافع علمانيون في أكثر من مناسبة ضد السلطة ومن أجل تحرير إسلاميين وسلفيين معتقلين.
كانت السلطة تستعمل "الخصوصية" في بعض الحالات الخاصة، ومن أجل التمترس ضدّ التحولات المجتمعية وحماية مراكز النفوذ، بينما يعتمد الإسلاميون مفهوما لـ"الخصوصية" بدون تحفظ وبلا حدود، والهدف واضح لا لبس فيه، العودة بالمغاربة إلى الدولة الدينية، دولة التقليد ووصاية الفقيه، في عصر أصبح للحضارة فيه عنوانان بارزان: الثورة العلمية التكنولوجية، وحقوق الإنسان الكونية، وهما أمران ليس للإسلاميين فيهما إسهام مشرّف.
هل للمغاربة أن يختاروا بين كوليرا "المخزن" و طاعون الوهابية ؟ بالطبع لا! فالخيار الحقيقي هو الإستمرار في النضال ضدّ الفيروسين الخطيرين معا، وهو نضال قد يكون بإمكانيات بسيطة، ضدّ معسكرين مسلحين بوسائل جهنمية من مال وعتاد، و لكن الإنتصار في النهاية هو للإرادة الخيّرة، الإنسانية المنزع والتوجّه، والهزيمة لأعداء الإنسان، فالتاريخ لا يعود أبدا إلى الوراء.




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة