تابعنا على الفايسبوك

أشترك معنا بالقائمة البريدية



أضيف في 21 يونيو 2011 الساعة 59 : 01


الموظفون الأشباح


 

 

لا يخفى على أحد أن أقاليمنا الجنوبية تحتل الصدارة بخصوص الموظفين الأشباح، وذلك منذ سنوات. إلا أن هذا الملف ما زال من الطابوهات، علما أنه من الأمور التي تدخل ضمن دائرة الشأن العام بامتياز، ومن حق أي مغربي المطالبة بتوضيحات بخصوصه، مهما كانت الجهات أو الأطراف التي تسعى جاهدة للتستر عليه أو غض الطرف عنه لغرض في نفسها.


هذه حقيقة لا يمكن نكرانها بأي وجه من الأوجه، فأقاليمنا الجنوبية تعج بالموظفين الأشباح، في وقت بدأت تبرز أصوات تنادي بضرورة تسليط الأضواء على هذا الملف الشائك بهذه الجهة من المملكة، وهذا ليس من باب قطع الأرزاق أو الحرمان من مدخول يكفل شروط العيش الكريم، وإنما بهدف سدّ الأبواب على المتلاعبين في هذا الملف، والدفع للتعامل بدقة وعقلانية مع هذه الظاهرة، عبر تسهيل السبل لهؤلاء الموظفين لتحمل مسؤولياتهم، والاضطلاع بعمل يبرّر توصلهم بالرواتب المنتظمة المقتطعة من المال العام، والتي يضمنها دافعو الضرائب بالمغرب بتمويل من الخزينة العامة، وذلك حتى لا يظلوا عالة على المجتمع.


تناسلت أحداث ونوازل بخصوص الموظفين الأشباح في مختلف أنحاء المملكة، ما عدا بأقاليمنا الجنوبية؛ وهذا أمر محير حقا ويدعو إلى أكثر من تساؤل؛ فما هو الحيز الذي يستحوذ عليه هؤلاء الموظفون الأشباح؟ ومن هم؟ وأين يتواجدون بكثرة؟ وكم عددهم؟

 

هل من الطابو الحديث عن الموظفين الأشباح؟

 

ما هو أكيد الآن، بفعل المعاينة والملاحظة، أن موضوع الموظفين الأشباح بالأقاليم الجنوبية مازال من الملفات المتستر عليها رغم ضخامته وحدة تأثيره السلبي على مسار التنمية، ليس فقط بالأقاليم الجنوبية، وإنما على الصعيد الوطني.
فمن المعلوم أنه سبق للوزير الأول، عباس الفاسي، أن تقدم بمذكرة في الموضوع منذ أكتوبر 1999، قبل تربعه على كرسي الوزارة الأولى الدوّار. وقد نصّ فيها على ضرورة التصدي لهذه الظاهرة بكل مسؤولية وحزم، لكن ماذا فعل بهذا الخصوص بعد أن قاد الحكومة على امتداد عدّة سنوات؟ أم أن الأمر كان مجرد كلام؟
لقد اعتقد الكثيرون أن ظاهرة الموظفين الأشباح سيتم استئصالها من الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة، لاسيما وأن رغبة جلالة الملك محمد السادس أكيدة وقوية في إصلاح الإدارة العمومية. ورغم بعض النجاح الجزئي في مقاومة هذه الظاهرة، إلا أنها لا تزال مستشرية بشكل ملفت للنظر بالأقاليم الجنوبية أكثر من أي جهة أخرى في المملكة.


يصف أحد العالمين بخبايا الأمور هؤلاء الموظفين الأشباح قائلا: "يمتصون كالخفافيش ضرع الميزانية العامة وأموال الشعب دون حياء ولا ضمير، خلافاً لما تنصّ عليه كل الأعراف والقوانين وقواعد المنطق". ويقول آخر: "إن هؤلاء بمنزلة الجرذان أو السرطان الذي ينخر المجتمع بتواطؤ جهات معنية لا تريد التصدي لهذه الآفة بحزم ونزاهة ومسؤولية".


حالات غريبة وعجيبة لموظفين أشباح بالأقاليم الجنوبية، منهم من يظل قابعاً بمنزله، ومنهم من يزاول مهنة أخرى مربحة، أو يقوم بتسيير مصالحه الخاصة وأملاكه، أو يقضي جل أوقاته خارج المملكة... لكن كلهم يتقاضون رواتبهم بانتظام، ويستفيدون من الأقدمية والترقية (المعتمدة على التنقيط والمردودية والحضور والسلوك...) منذ سنوات خلت، وذلك دون أن يتم التفكير ولو مرّة واحدة في تفعيل قانون النظام الأساسي للوظيفة العمومية لمعالجة هذه الآفة الضاربة أطنابها في أقاليمنا الجنوبية، بتواطؤ هذه الجهة أو تلك.

 

من هو الموظف الشبح؟


 

  عندما نسمع كلمة شبح، تتوارد على مخيلتنا "الطائرة الشبح" التي تقوم بمهمتها بسرعة ودقة متناهية دون أن ترصدها الرادارات، لكن "الموظف الشبح" لا يمت بصلة إلى هذه الطائرة، إلاّ أن القاسم المشترك بينه وبينها هو أنه لا يرصده رادار النزاهة والصدقية والمصداقية والمُواطنة والضمير المهني والروح الوطنية؛ إذ يقبل أن يقبع بمنزله في انتظار آخر كل شهر ليتقاضى أجراً مرصوداً لعمل لا يقوم به وقد لا يستحقه؛ وهذا أمر يتعفّف منه ذوو الأنفة والكرامة وعفة النفس؛ إذ يعتبر هذا التصرف، في نظر الكثيرين، أخس من التسول، لأنه تصرف طفيلي يقتات على حساب الغير دون تقديم أي مقابل أو أي نفع للبلاد وللعباد.


إن الموظفين الأشباح كائنات غالبا ما لا يعرفهم زملاؤهم إلا حين يكتشفون – بالصدفة – ورود أسمائهم في كشوفات كتلة الأجور. وتثيرهم أهمية الأجور التي يتقاضونها، مقارنة بما يتقاضونه هم العاملون النشيطون الملزمون بالحضور، والخاضعون للمراقبة والمحاسبة والمساءلة، مما يولد شعورا بالإحباط والتذمّر.


تعتبر هذه الممارسة، في عيون الكثيرين، من أبرز مظاهر الأشكال السلسة المستترة لنهب وتبذير المال العام، وبالتالي وجبت محاسبة ومساءلة المسؤولين عنها، الذين لا يزالون يدارون عن هذه الفئة من المحسوبين على الوظيفة العمومية ظلماً وعدوانا؛ وهي بريئة منهم ماداموا لا يقدمون أي عمل، ولا يضطلعون بأية مهمة مقابل الأجور التي يتقاضونها بانتظام ودون انقطاع.


هناك عدد كبير من الموظفين الأشباح في الأقاليم الجنوبية يتقاضون رواتبهم بانتظام دون أن يقوموا بأي وظيفة أو عمل في الإدارة المحسوبين عليها، ودون أن يفيدها أو يفيدوا المجتمع مقابل ما يتقاضونه، ولا يجيدون أي اختصاص من شأنه أن يشكل قيمة مضافة، ولا يفعلون إلا انتظار متم كل شهر جديد لسحب أجورهم. وهي رواتب تبدو، في عيون عموم المغاربة، كأنها "محلوبة" دون وجه ح، من جيب المواطن، دافع الضرائب، دون أن توظف في مجال يعود بالفائدة على المجتمع، وتكون فيها منفعة للبلاد والعباد.
علاوة على أن هؤلاء الموظفين هم طلقاء أحرار بصفتهم تابعين للوظيفة العمومية بحسب الوثائق الرسمية ومالياً فقط، لكنهم غير خاضعين لسلطة رؤسائهم الإداريين، بل منهم من يمارس نشاطاً مريحاً آخر يدر عليه عشرات أضعاف قيمة الأجر الذي يتقاضاه، وهناك حالات كثيرة من هذا القبيل بالأقاليم الجنوبية.


والمثير للانتباه حقا، هو أن هؤلاء الموظفين الأشباح يعتبرون أنفسهم مواطنين كاملي المواطنة، وكأنها ــ المواطنة ــ تتماشى والاستيلاء على حق دون وجه شرع "مع سبق الإصرار والترصد".

 

هؤلاء الموظفون الأشباح

 

من الصعوبة بمكان التوصل إلى معطيات دقيقة بخصوص الموظفين الأشباح بالأقاليم الجنوبية؛ أليسوا أشباحاً والأشباح لا ترى؟ والمؤشر الملموس الوحيد الدال على وجودهم هو الأجر المقتطع من المال العام الذي يتقاضونه، وليس من السهل ببلادنا وضع اليد على قائمة الأجور؛ باعتبار أن الحق في الولوج إلى المعلومة لا يزال في طور التأسيس، ومادام نواب الأمة أنفسهم يعانون الآن من عدم الحصول على المعلومة التي تمكنهم من مزاولة مهامهم؛ سواء من الهيئات الحكومية أو من الإدارات العمومية و شبه العمومية والخاصة.
إلا أن التحريات وتقاطع المعلومات وأجزاء من المعلومات التي تمكنّا من وضع اليد عليها من هنا وهناك، بعد جهد جهيد، تفيد أن هناك فئة مهمة من الموظفين الأشباح بأقاليمنا الجنوبية تمكّنوا من الحصول على وظائفهم – ليس في إطار هاجس إدماج العائدين أو الوافدين الجدد في النسيج المجتمعي – وإنما فازوا بها بفعل قرابة أو مصاهرة لبعض الشخصيات والنافذين وذوي المواقع الحساسة والحظوة الرفيعة، وإما بفعل قربهم من القائمين على الأمور بالمصالح المركزية أو على صعيد الجهات والأقاليم الجنوبية.


   هذا في وقت يعتصم فيه مئات، بل آلاف شباب المنطقة بالصبر والابتهال إلى الرحمان، إن هم لم يقووا على الاحتجاج والتظاهر والاعتصام بالساحات العمومية، تحاشيا للهراوات الأمنية. أليس هذا تصرفاً يساهم، بشكل أو بآخر، أراد من أراد وأبى من أبى، في إهدار فرص التنمية على البلاد والعباد؟ ألا يساهم كذلك، في "شرعنة" نوع من أنواع الفساد المكرّس و يحشد آليات اقتصاد الريع و يشجع الاتكال على الدولة و توسيع دائرة الذين يعيشون عالة على المجتمع؟


إن الموظفين الأشباح محسوبون على دواوين العمالات والولايات وجملة من الإدارات العمومية وشبه العمومية بأقاليمنا الجنوبية، ومنهم من هو محسوب على مجموعة من المصالح المركزية بالوزارات وبعض الشركات والمكاتب والمؤسسات العمومية المتمتعة بالشخصية المعنوية والاستقلالية المالية، علماً أن ظاهرة الموظفين الأشباح ليست محصورة فيما ذكر أعلاه فقط، وإنما تخترق كل مؤسسات الدولة، باستثناء النزر اليسير، في أقاليمنا الجنوبية. ومن الفضاءات التي انتعشت فيها هذه الظاهرة بقوّة منقطعة النظير، المصالح التابعة للهيآت المنتخبة بمختلف أجناسها من بلديات ومجالس قروية وجهوية وغرف مهنية، بل هناك "رجال سلطة" من العيار الثقيل يعتبرون من عداد الموظفين الأشباح. وكل هؤلاء يغترفون من المال العام دون وجه حق، ماداموا لا يقومون بأي عمل مقابل ما يتلقونه من أجر، بل هناك منهم من هو غير مؤهل للقيام بعمل يتوافق مع الصنف والرتبة المذكورين ورقياً لدى أرشيف الوظيفة العمومية، وهذا قمة الإهدار بجميع المقاييس.

 

كم عددهم؟

 

تتضارب الأرقام حول عدد الموظفين الأشباح الذين لا يمارسون عملهم ولم يسبق لهم أن وضعوا أقدامهم بالإدارة المعينين فيها والمحسوبين عليها، رغم استمرار حصولهم على الرواتب الشهرية دون انقطاع منذ سنوات خلت. بل أكثر من ذلك، هم يستفيدون من الأقدمية والترقية كباقي الموظفين الذين يزاولون عملهم بانتظام، بحسب المعلومات المتوفرة. وانطلاقاً من جملة من التقاطعات، يقدر الموظفون الأشباح بالعيون ما بين 6000 و 8000، وبوادي الذهب ما بين 3000 و4500، وفي إقليم السمارة يقدرون بما بين 1500 و 3000، أما في إقليم بوجدور فيتراوح هذا العدد ما بين 1800 و3500، في حين لا يتعدى الموظفون الأشباح بإقليم كلميم ما بين 700 و1500 شخص.


ففي الداخلة، كشف مؤخراً نقاش ساد خلال دورة عادية للمجلس الإقليمي لوادي الذهب ــ حول غياب الأطر وقلة الموظفين التابعين للمجلس (وحده) ــ عن مفارقات غريبة جداً؛ حيث إن هذا المجلس في عهدته ومحسوب عليه عدد هام من الموظفين الذين لا يشتغلون ولا يحضرون إلى مقر العمل. بل الأدهى أن أعضاء المكتب لم يسبق لهم أن تعرفوا عليهم ولا علم لهم بملفاتهم قبل هذا التاريخ. لقد تم التصريح خلال هذه الدورة بأن عدد الموظفين التابعين للمجلس يناهز 200 موظف، في حين أن الذين يزاولون فعلا عملهم لا يتعدى عددهم الستة (6) فقط؛ وهذا ما خلّف ارتباكاً ودهشة كبيرين. وفي هذا المضمار، قال أحد أعضاء المجلس: "من المعيب أن مجلساً إقليمياً لا يتوفر على شاوش أو مداوم أو من يرد على مكالمات المتصلين به". ومن أغرب الغرائب، رغم أن المجلس محسوب عليه 200 موظف شبح، رفع ملتمس إلى والي الجهة بخصوص توظيف شاوش ومداوم، وقيل بأن هذا المشكل سيعرف الحل عما قريب بحكم أن وزارة الداخلية سبق لها أن تلقت طلباً في هذا الشأن.


أما بخصوص الموظفين الأشباح بإقليم بوجدور، يعتبر قطاع الإنعاش الوطني من المجالات التي تستأثر بحصة الأسد من هؤلاء؛ إذ هناك 3000 بطاقة موزعة فعلا ويؤدى عنها شهرياً، لكن لا يزاول المستفيدون منها عملا باستثناء بعضهم، وكلهم من ساكنة مخيمات الوحدة. وقد انكشف أمر 7 موظفين أشباح بقطاع التعليم بالإقليم، و4 حالات بالمحكمة، و6 حالات بالتعاون الوطني، وحالتين بقطاع الصناعة التقليدية، ولكن ما خفي كان أعظم.


وبالسمارة، بحسب المعلومات المتوفرة، تنتشر ظاهرة الموظفين الأشباح في قطاع الجماعات المحلية والصحة والتعليم. ويبدو أن أغلبهم من فئة العائدين، أو من فئة أشبال الحسن الثاني، أو من أعضاء الكوركاس.
ورغم أن أكثر من جهة نبّهت إلى هذه الآفة، إلا أن الجواب لم يكن يخرج عن اللازمة- الذريعة "خصوصية المنطقة وخصوصية المرحلة". كما أن زوجات بعض الشخصيات الوازنة بالسمارة تعتبرن من الموظفات الأشباح، ويتقاضين أجورهن وهن ربّات بيوت ليس إلا.


وفي كلميم، لا تكاد تخلو مصلحة تابعة للمجلس البلدي والولاية والعمالة والمصالح الخارجية للوزارات والمؤسسات العمومية من آفة الموظفين الأشباح. وبعد مقابلة المعلومات المتوفرة هنا وهناك، يمكن القول دون الابتعاد عن الحقيقة كثيراً أن كلميم وإقليمها يحتضنان ما بين 700 و1500 حالة من الموظفين الأشباح، منهم المئات في المصالح التابعة للمجالس المنتخبة. ومن هؤلاء، تم التعرف على 15 موظفا شبحا ببلدية الزاك، وما بين 10 و15 بالمكتب الوطني للكهرباء، ومثلهم بالمكتب الوطني للماء الصالح للشرب، والعشرات بقطاع التعليم... وكل هذا على سبيل الاستئناس ليس إلا.

 

هيهات بين الشمال والجنوب



لاحظ الجميع التعاطي المتباين مع ظاهرة الموظفين الأشباح بين أقاليم شمال المملكة وأقاليم جنوبها؛ إذ إن حالة واحدة قد تقيم الدنيا وتقعدها في شمال المملكة، لكن بالأقاليم الجنوبية يُعدّ الموظفون الأشباح بالآلاف، ولكن لا أحد يحرك ساكنا ولا حياة لمن تنادي.
وبحسب العالمين بخبايا الأمور، بدأت ظاهرة الأشباح تتطور منذ ثمانينيات القرن الماضي بفعل الفساد الذي كان مستشرياً زمنئذ، والذي ساهمت فيه جملة من الفعاليات الرسمية والأحزاب السياسية بامتياز.


وقتئذ، كان "المنصب المالي" وليس "المنصب الوظيفي" نوعاً من المكافأة السياسية، وامتيازا من امتيازات "اقتصاد الريع والاتكال"، يتم توزيعها على أزواج وأقرباء مسؤولين، أو أعيان أو شخصيات وازنة في مختلف المجالات، ولا مجال للمحاسبة أو المراقبة. وبذلك، تم إحداث "جيش عرمرم من الموظفين الأشباح"، نالت منه أقاليمنا الجنوبية حصة الأسد دون منازع.


وإذا كانت الأقاليم الجنوبية لا تنفرد بهذه الظاهرة، إلا أنها لا تزال مرتعاً لها بامتياز، علماً أن آفة الموظفين الأشباح ممارسة أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها بمثابة سرقة مغلفة لموارد عمومية، كان من الأولى والأجدى توظيفها في مجالات أخرى أو رصدها لخلق فرص شغل للراغبين فعلا في العمل والمساهمة في خدمة البلد والعباد. لكن الأهدى والأمر أن هناك مئات بل آلاف من الموظفين الأشباح بالأقاليم الجنوبية يسرحون بلا مساءلة أو محاسبة رغم أنهم يتقاضون رواتب متقطعة من المال العام ومحسوبين على الإدارة العمومية، وبالتالي هم تحت طائلة قانون ومقتضيات الوظيفة العمومية.


فهل الحكومة غير قادرة على رصد هذه الظاهرة بتلك الأقاليم وتطويقها؟ أم أنها متواطئة، لذلك تعتمد غض الطرف لغرض في نفسها لا تعلمه إلا هي؟
هذا في وقت نعاين فيه يومياً احتجاجات الشباب وعلامات إحباطهم بفعل تفشي البطالة في صفوفهم، أم أن "الخير شاط على الخزينة العامة لتفرقه بالبندير"، كما يقال، دون حسيب ولا رقيب ولا مراعاة للأولويات ومتطلبات التنمية والتصدي للمعضلات.


وفي الوقت التي تقوم الدنيا ولا تقعد بخصوص موظف أو موظفين شبحين بإحدى مدن شمال المملكة، تعرف الإدارات العمومية والمصالح التابعة للمجالس والهيئات المنتخبة بالأقاليم الجنوبية ظاهرة تفشي هذه الآفة التي عجزت الدولة عن وضع حد لها، علماً أنه لم يسبق أن سمعنا حديثاً جدياً بهذا الخصوص، وذلك رغم كثرة الكلام واللغط عن تخليق الإدارة العمومية وعقلنتها وعن الحكامة الجيدة.
وبحسب أكثر من مصدر مسؤول بالأقاليم الجنوبية، يلاحظ تعتيم كبير مفروض على هذه الظاهرة من طرف عدد من المسؤولين. ومن المعلوم كذلك أن الموظفين الأشباح بتلك الأقاليم يعدون بالآلاف، علاوة على أن المراتب المعينين فيها لا تتلاءم ومستواهم الدراسي أو خبرتهم أو الشواهد المدلى بها. ومن هؤلاء، علاوة على الأقدمية والترقية، من يستفيدون حتى من الساعات الإضافية والتعويضات عن التنقل، وهذه قمّة الاستهتار.


وإذا كانت ظاهرة الموظفين الأشباح تقاوم في الشمال، فإنها مازالت في مأمن بالأقاليم الجنوبية. في كل مرّة يتم الكشف عن حالات بالشمال تبدأ المطالبة بالمساءلة والمحاسبة والتنديد أحيانا، أما في الأقاليم الجنوبية فحدث ولا حرج، وكأن هذا الأمر أضحى من الخطوط الحمراء التي لا يحق لأحد الاقتراب منها.


وهذا ما وقع على سبيل المثال بمدينة تطوان لما تتحدث الصحف عن موظفين أشباح بالجماعة الحضرية. لقد خرجت الصحف بمانشيطات بهذا الخصوص .. "ملف الموظفين الأشباح بالجماعة الحضرية بتطوان يثير وزارة الداخلية والمديرية العامة للجماعات المحلية تحقق في ملف..." "مهتمون يطالبون والي تطوان ممارسة اختصاصاته القانونية".. علما أن هذا الملف همّ 190 موظفاً شبحاً بالجماعة الحضرية بتطوان. وكذلك من الحالات التي أقامت الدنيا ولم تقعدها مقاضاة الرئيس السابق للمجلس البلدي لبني ملال من أجل 20 حالة. وما هذه إلا أمثلة للاستئناس وغيرها كثير. أما بالأقاليم الجنوبية، فلم يسبق أن سمعنا شيئاً في هذا المضمار وكأنه لا وجود لموظفين أشباح في حين أنها تحتضن الآلاف منهم.


وبحسب مصدر جيد الاطلاع، تعكف حالياً مديرية علال السكروحي، الوالي المدير العام للجماعات المحلية بوزارة الداخلية المعيّن من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس في فاتح مارس من السنة الجارية على رأس المديرية المذكورة، على دراسة جملة من الملفات المرتبطة بالموظفين الأشباح في المصالح التابعة للمجالس المنتخبة والإدارة المحلية.


لذا، ننصح كل الموظفين الأشباح بالتوجه إلى الإدارات المحسوبين عليها للمطالبة بمزاولة عمل مرئي حتى يخرجوا من دائرة الأشباح ويلجوا عالم الموظفين الذين يتقاضون أجوراً مقابل عمل يقومون به، خصوصاً بالنسبة للنساء، لأنه بحسب المعلومات المستقاة من هنا وهناك، تبيّن أن نصيبهن لا يستهان به في هذه الكعكة.

 

وماذا عن التصدي لهذه الآفة؟


لقد حاولت بعض الجهات الرسمية، وأخرى محسوبة على مكوّنات المجتمع المدني، في إطار تخليق الحياة العامة وعقلنة الإدارة العمومية ومؤسسات الدولة ــ جرد عدد الموظفين الأشباح بهدف إرغامهم على مزاولة عملهم أو فصلهم عن مناصبهم، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل ولم تسفر لحد الآن عن نتائج ملموسة ومرئية تضع حدّاً لهذه الآفة خاصة بالأقاليم الجنوبية.
كما يطالب حماة المال العام من الولاة والعمال بممارسة اختصاصاتهم، وتفعيل مقتضيات الظهير رقم 293 – 93 -1 المؤرخ في 6 أكتوبر 1993، وخصوصاً الفصل السادس منه الذي يخوّل لهم حق مراقبة النشاط العام لموظفي وأعوان المصالح الخارجية للإدارات المدنية التابعة لنفوذ ترابهم.


كما عرف مجلس النواب أكثر من جلسة سابقاً، ومنذ سنة 2005، بخصوص الموظفين الأشباح الذين لا يقومون بأي عمل ويحصلون على رواتب شهرية دون تقديم أي خدمة للبلد أو للإدارة المحسوبين عليها؛ لكن دار لقمان بقيّت على حالها دون تغيير.
فمنذ 2005، قالت الدولة على لسان وزير تحديث القطاعات العامة إن الحكومة تتوفر على إرادة سياسية لمحاربة هذه الظاهرة دون هوادة، لكن يبدو أن الأقاليم الجنوبية خارجة عن دائرة هذه الإرادة.


لقد وضعت الدولة منذ 5 سنوات قاعدة موحدة للبيانات بخصوص الموارد البشرية بين مصالح التأشير على أداء الأجور والصندوق المغربي للتقاعد، ومراقبة الالتزام بنفقات الدولة ومختلف الوزارات، قصد التمكن من ضبط عدد الموظفين وتفعيل مقتضيات النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، المرتبط أساساً بالإجراءات التأديبية في حق الموظف الشبح، والسهر على مراقبة الموظف باعتماد كل آليات المراقبة البشرية والتقنية؛ فهل هذا مطبّق فعلا بالأقاليم الجنوبية؟

 

تصريح يحمل أكثر من دلالة



أَسَرَّ لنا أحد المسؤولين بإدارة عمومية مهمّة بالعيون، فضّل عدم الكشف عن هويته، أن غياب المراقبة وانتشار مختلف أنواع ومظاهر الفوضى التدبيرية ساهما بشكل كبير في تكريس ظاهرة الموظفين الأشباح بالأقاليم الجنوبية، والتي ظلت نسبتهم تفوق بكثير من يوجد منهم بباقي أقاليم المملكة. وأضاف أن الظاهرة لم تعد حكراً على قطاع معين بالجنوب، بل امتدّ وباؤها ليشمل مختلف القطاعات العمومية والمؤسسات شبه العمومية. والمصيبة أن مدراء ومسؤولي الإدارات العمومية والترابية والمؤسسات الدستورية يغضون الطرف ويباركون تصرفات وممارسات غير مقبولة من طرف "موظفين" لا يظهرون إلا عندما يبلغ إلى سمعهم أن هناك ترقيات على الأبواب أو امتيازات في طور التوزيع. ويتكرر هذا المشهد بفعل عجز مؤسسات الدولة عن وقف هذا النزيف الذي يكلّف الخزينة العامة ملايير الدراهم بدون جدوى. ويختم مصدرنا كلامه باستغرابه من عدم تطرق التقرير الأخير لمجلس الحسابات إلى هذه الظاهرة التي لم تعد مقبولة في مغرب 2010. والأنكى أن مصالح الولاية والعمالات، التي تجسد سلطة المراقبة والتتبع لجميع القطاعات العمومية بالجهة، والمكلفة بانجاز وإعداد تقارير مفصلة عن "الشادة والفادة" طبعاً في ترشيد النفقات والموارد المالية والبشرية وعقلنتها، تعيش هي كذلك على نفس الإيقاع وتحتضن النصيب الأوفر من الموظفين الأشباح من جميع المراتب والدرجات. هذا ناهيك عن إشكالية بطاقة الإنعاش الوطني؛ فهذه قضية أخرى تستلزم وقفة خاصة في نطاق "اقتصاد الريع والعيش على ظهر العباد".


ويخلص محدثنا إلى القول إن ظاهرة، بل آفة الموظفين الأشباح بالأقاليم الجنوبية، أضحت واقعاً مكرساً ومرسخاً، وتحتاج إلى معالجة دقيقة من قبل مختلف الجهات المعنية، خصوصاً وأن المنطقة تعاني من تفشي البطالة في صفوفها، في وقت هناك مئات بل آلاف من حاملي الشهادات العليا المعطلين يبحثون عن فرصة عمل لبناء مستقبلهم والفوز بمكان تحت شمس وطنهم عوض انتظار عرض أجسادهم قربانا للهراوات الأمنية.




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

منتخب الأوهام

الوصاية الدينية والدولة

ماذا تريدون أيها المغاربة؟

المشروع الإسلامي والمشروع العلماني أو الدين ضد الإنسان

تشويه فن الكوميديا عبر الإعلام المغربي والسير به نحو الانحطاط

تعليم الأمازيغية بين الشعار والممارسة