أضيف في 11 شتنبر 2021 الساعة 22:30


حوار مع الفنانة التشكيلية مريم بن لمليح



أجرى الحوار: الأستاذ كمال العود


بعيدا عن الفن، من هي مريم بن لمليح؟

إنها إنسان قبل كل شيء، وصيدلانية التكوين والمهنة! تمارس العمل الجمعوي والخيري والنقابي. من أصول فاسية، نشأت في مدينة الزيتون العريقة 'وزان'، حيث ظهرت مواهبها الفنية الأولى. استقرت بمدينة طنجة سنة 1998 وبها كونت أسرتها الصغيرة وتمارس مهنتها الصيدلية. ولأنها تعشق المعرفة، فهي لا تتوقف عن التكوين المستمر في مجال الصيدلة أو الفن... شغوفة بالطرب الأندلسي الذي ترعرعت في ظل إيقاعاته منذ نعومة أظافرها، إذ كان والدها محمد بن لمليح لا تحلو له القيلولة إلا بميازين البطايحي، رصد الذيل، العجم،… التي كانت تبثها الإذاعة الوطنية لعشاق الأندلسي من الزوال إلى غاية آذان العصر !

دعينا نتحدث عن رحلتك مع الفن التشكيلي، كيف بدأت؟ وكيف تقيمين الإنجازات التي وصلت إليها الآن؟

الفن التشكيلي هو إحساس وتصور يترجم إلى لوحات! ومنذ الطفولة وأنا أرسم بورتريهات لشخصيات فنية وأدبية مثل: خوليو أجلاصيات، لوسيانو بفروتي، عبد الحليم حافظ، عباس محمود العقاد ووجوه من أفراد العائلة… كما كنت أرسم مشاهد من الحياة اليومية، وكل هذا كنت أنجزه في أوقات فراغي بتلقائية وعصامية محضة! إلى أن حثني السيد المكاوي أستاذ الفنون التشكيلية -الذي كان يلقن أسس هذه المادة، لابني البالغ آنذاك العاشرة من عمره-، سنة 2014 على تعميق معلوماتي وتقنياتي الفنية حتى يتسنى لي أن أبدع أكثر ! وفعلا، في خضم أربع سنوات، اكتسبت خبرة ومهارة وأنجزت حوالي 100 لوحة منها: الطبيعة، والمجردة، والتصويرية...

إلى أي مدرسة تشكيلية تنتمي مريم بن لمليح؟ أم أنك تتفردين بلوحاتك بعيدا عن الانتماءات؟

في الحقيقة، تعمدت دراسة معظم أشكال المدارس الكلاسيكية والعصرية منها، لكن في النهاية حصلت على أسلوبى الخاص وانفردت به، ولوحاتي الأخيرة عبارة عن مزيج من مختلف المدارس الفنية المعروفة !وعما قريب إن شاء الله سأوافيكم بجديدي في هذا الصدد .

في التشكيل لا بد من هيمنة لون على آخر، فما هي الألوان التي تهيمن على لوحاتك؟

في الواقع، لا أهدف إلى جعل لون ما يهيمن على لون آخر، فهذا يعتمد على حالتي النفسية، وموضوع اللوحة! لكن في الوقت نفسه، أميل إلى الألوان الباردة والفاتحة والمكونة من مزيج الألوان الأولية التي يغلب عليها اللون الأبيض!

هل مزاولتك لمهنة الصيدلة تتعارض مع شغفك التشكيلي؟ وكيف تجدين الوقت لممارسة الفن في خضم انشغالك المهني؟

أعتبر مهنتي مصدرا من مصادر إلهامي ومواضيع لوحاتي، والمشروع الذي أشتغل عليه حاليا، هو جعل الخلايا الجينية، والنباتية، أو الحيوانية وحتى الأشكال الكيميائية وما شابه ذلك من العناصر الأساس في لوحاتي التشكيلية القادمة إن شاء الله !

أما بالنسبة للوقت، فإنها مسألة استغلال وانضباط لا غير! في غالب الأحيان أستغل ساعة بعد الزوال وعطلة نهاية الأسبوع لممارسة الفن. وأحاول ألا أضع نفسي تحت الضغط أو السهر ليلا على عمل ما، إلا إذا كنت ملتزمة بمعرض جماعي أو فردي؛ وغير ذلك فأنا أمتثل لرغبتي وإرادتي الداخلية لإنشاء عملي الفني في الوقت الذي يتزامن مع إلهامي الحيني.

يرفض البعض بروز المرأة في المجالات الإبداعية، كيف تواجهين ذلك؟ وهل وصلت الفنانة التشكيلية المغربية إلى المكانة التي تليق بها؟

الفن هو إبداع شخصي قبل كل شيء !والبروز في أي ميدان من الميادين؛ جد مرهون بحجم، وجمالية العمل في حد ذاته، ولا علاقة له بنوع الجنس!

أنا شخصياً لا أشعر بأي رفض من أحد! فقد حصلت خلال معرضي الأول على التشجيع والإعجاب من طرف مجموعة من المهتمين، على اختلاف أعمارهم، وجنسياتهم وتوجهاتهم المهنية والفنية! وأظن أن الوضع نفسه تعرفه المرأة بصفة عامة في المغرب الذي يتميز بتاريخ وحضارة فنية عريقة، وبالتالي من المستحيل إقصاء المرأة من هذا العالم الفني الذي يحتوي على أسماء نسائية وازنة مثل: الشعيبية طلال، وفاطمة حسن الفروج وراضية بنت الحسين، ثلاث فنانات رائدات في الفن العفوي بالمغرب، تجمعهن هوية مشتركة، ويرتبطن ببيئة قروية متشبعة بالتقاليد ومرتبطة بالحرف والفنون الشعبية بما في ذلك الحناء والوشم والنسيج والتطريز.
وأرى أن الفنانة التشكيلية المغربية وصلت ومازالت تواصل إبداعاتها إلى ما لا نهاية إلى أن ترتقي المكانة التي تليق بها!!

باعتبارك امرأة مبدعة لها اسمها في المشهد الفني، إلى أي مدى تحضر المرأة في لوحاتك التشكيلية؟

المرأة جزء لا يتجزأ من المرأة ذاتها! وبالتالي فالمرأة التي تعيش بداخلي، تخرج أحيانا وبطريقة تلقائية وعفوية لتتجسد على لوحاتي بشكل مباشر أو غير مباشر.

هل تختارين موضوعات لوحاتك؟ أم تتركين العنان للفرشاة؟ وما هي أهم التيمات التي تشتغلين عليها؟

في الحقيقة، أحيانا أختار موضوعة اللوحة وأحيانا أخرى أترك العنان للألوان والفرشاة؛ وذلك يرجع إلى الحالة النفسية والهدف من العمل نفسه! فإذا كنت في حالة توتر وضغط نفسي، فالفرشاة تأخذ العنان تلقائيا لترجمة شعوري الآني !وإذا كنت أستعد إلى معرض ما، فالوضع يختلف ويتطلب تفكيرا، ودراسة وتصميما قبل بدء العمل !وفي جميع الحالات، تظل بصمة الفنان حاضرة في أعماله وتميزه عن باقي الفنانين!

ومن أهم التيمات التي اشتغلت عليها، الأزقة العتيقة، والفن المجرد إجمالا! وقريباً سيأخذ عملي إن شاء الله أسلوباً جديدا، يجمع بين العلم والفن على لوحات ودعائم مختلفة!

 في نظرك، هل تذوق الفن التشكيلي متاح للجميع أم أنه يتطلب متلقي متخصص؟

يعتبر الفن كغيره من الفنون الأخرى كالسينما والمسرح والموسيقى، متاحا للجميع وكل واحد يتذوقه حسب قدرته ووعيه بالفن التشكيلي، لذلك نلاحظ أن معظم المهتمين بالمعارض من غير المتخصصين، إلا في حالة بعض اللوحات التي تتطلب متلقيا متخصصا في التشكيل ليفك رموز اللوحة التشكيلية.

تصدرت لوحاتك أغلفة مجموعة من الإصدارات المغربية، ما الإضافة التي تمنحها الكتب للوحاتك؟ وما رأيك في العلاقة القائمة بين الكتابة والتشكيل؟

في إطار تعاوني ومشاركتي بلوحاتي التشكيلية في "المعرض الوطني للإبداع والكتاب" المنظم من طرف "الراصد الوطني للنشر والقراءة" -الذي تترأسه الصديقة المحترمة فاطمة الزهراء المرابط- سنة 2018، إذ حظيت بعض لوحاتي باهتمامه القائمين عليه فتصدرت أغلفة المجاميع القصصية الفائزة بجائزة "رونق" للقصة في السنة نفسها وهي على التوالي: "اللعب مع الزمن" للكاتب مصطفى ملح، و"يــبكي لــغروبــها الــصباح" لــلقاص زهــير اســليمانــي و"أنـشوطـة المـطر" لـلقاص عـماد شـوقـي. كما تصدرت إحدى لوحاتي غلاف رواية "قمة الجبل" للكاتب حسن بوفوس، الصادرة عن منشورات سليكي أخوين سنة 2019، وغلاف المجموعة القصصية "قرابين" للقاص المغربي حميد الهجامي (المقيم بسنغافورة) عن منشورات "رونق" سنة 2020.

وأعتبر رؤية لوحاتي تزين أغلفة مجموعة من الأعمال الأدبية، شرفا واعترافا بفني، وهذا الأمر يشعرني بالفخر، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالكتاب الشباب الذين يشقون طريقهم في المشهد الثقافي، وهذه الصلة التي تجمعني بـ"الراصد الوطني للنشر والقراءة" جعلني أستعيد علاقتي بالقراءة، وأواكب مشروعه القائم على الإسهام في تشجيع الكاتب المغربي على الإبداع، والقارئ على اقتناء الكتب، لترسيخ ثقافة القراءة، في مجتمع هيمنت عليه التكنولوجيا وضعف القدرة الشرائية، وبالتالي يتجه الكتاب في طريقه لخبر كان!

وعليه، أجد أن هناك علاقة وطيدة بين الكتابة والفن التشكيلي، فمن جهة هما متشابهين من حيث اعتمادهما على الإلهام، والتأمل، والملاحظة، والتعبير عن شعور أو لحظة ما. ويختلفان من حيث أدوات التعبير؛ فالفنان التشكيلي يستعمل الفرشاة، والكاتب يستخدم القلم. ويجمعهما هدف واحد هو إمتاع المتلقي!

وأجد أن الكاتب صار يوظف اللوحة التشكيلية والصورة في كتاباته السردية. كما صدرت بعض الأعمال التي تجمع بين اللوحة والقصيدة أو اللوحة والقصة. هذا دون أن ننسى العلاقة التي تقوم بين الفنان والكاتب أثناء إنجاز لوحة فنية مناسبة تعكس محتوى الكتاب.

 شاركت في مجموعة من المعارض الجماعية والفردية، ما هو الإحساس الذي ينتابك وأنت تواكبين تذوق الجمهور لفنك، وهل لازال هناك اهتمام بالفن التشكيلي؟

ينتابني إحساس بالفخر والاعتزاز؛ يتبعه الإصغاء والتمعن في المجاملات والانتقادات معا، لكي أجتهد مستقبلا في الاشتغال على أعمال فنية تروقني أولا والمتلقي ثانيا!

وبالطبع لازال هناك عشاق للفن التشكيلي الذين يهتمون به وبمستجداته، وهناك من يزور المعارض من باب المعرفة وحب الاستطلاع. كما صارت مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة أساسية لهواة ومحبي الفن التشكيلي. لكن هذا الاهتمام عرف تراجعا كبيرا في خضم هذه الجائحة التي تفرض مجموعة من الحواجز الاحترازية لسلامة الجميع والتي تعتبر في حد ذاتها حاجزا للفنان ولجمهوره !

 هل تشرحين لوحاتك للجمهور، أم تلتزمين بمقولة الكاتب الفرنسي "فيكتور هوجو" عندما قال: «لا تكثر الإيضاح فتفسد روعة الفن»؟

إن مقولة Victor Hugo ليست من عدم! فاللوحة المبهمة، كل واحد يراها بعين مختلفة ويفسرها بطريقته الخاصة! لكن لا أعمل بهذه المقولة في جميع الحالات! ففي بعض الأحيان يتوجب علي الشرح والتوضيح، ولا سيما عندما تكون اللوحة منبثقة من شعوري الخاص، والمهتم راغبا في توضيحاتي! ومن غير هذا، فالمتلقي له الحرية المطلقة في تفسير اللوحة وتأويلها حسب مزاجه  !

 هل حظيت لوحاتك بقراءات نقدية؟ وماذا قيل عنها؟

كل عمل قابل للنقد! وبالطبع تلقيت بعض الانتقادات من طرف فنانين مقتدرين، وهواة، وأصدقاء! فمنها بناءة، ومنها تافهة (النقد من أجل النقد)، وبعضها عفوية في إطار المحبة والصداقة! فأخذت من النقد ما يسهم في تطوير عملي مستقبلا، وتغافلت عن الباقي من باب الروح الفنية !

وأتحفظ عن ذكر نوعية هذه الانتقادات، عملا بمقولة أبي أطال الله عمره: «إن التوضيحات من المفضحات»

ما هي مشاريعك الفنية المستقبلية؟

أشتغل على مواضيع تجمع بين العلم والفن على دعائم مختلفة الأشكال ومواد غير معهودة! وأحتفظ بالتفاصيل إلى ما بعد مشاركتي في مسابقة 'المواهب المذهلة للصيادلة' ضمن المؤتمر الصيدلاني الدولي السنوي "Officine Expo" بمراكش لسنة 2021-2022. والله ولي التوفيق للجميع!

كلمة أخيرة.

أشكر السيد كمال العود، على جهوده في التعريف بالفنانين والكتاب المغاربة، وقد تشرفت بدعوتكم لإجراء هذا الحوار الافتراضي، وما أحوجنا للقاءات الحضورية التي تحظى   بتفاعلية وتلقائية أكثر! فأتمنى لكم النجاح والتوفيق في مجالكم الصحفي.
 كما أشكر الصديقة والأديبة فاطمة الزهراء رئيسة 'الراصد الوطني للنشر والقراءة' التي كانت سببا في احتكاكي بعالم الكتابة، منذ تعرفي عليها سنة 2018، أثناء تنظيم معرضي التشكيلي الأول بالمركز الثقافي ابن خلدون بطنجة، والذي تزامن انتهاؤه مع انطلاق "المعرض الوطني الخامس للإبداع والكتاب" فكانت مناسبة لأمدد فترة إقامة معرضي، ومن ثم توطدت علاقتي بثلة من المبدعين والباحثين المغاربة، وتقربت في الوقت نفسه عالم الكِتاب وعوالم الكُتاب المختلفة من خلال حضوري لبعض الأنشطة الثقافية، وكانت مناسبة لنشر نماذج من لوحاتي الفنية على أغلفة بعض الأعمال الأدبية التي حظيتُ بشرف توقيعها من طرف كتابها خلال النسخة السادسة من المعرض نفسه سنة 2019، والذي عرف عرض لوحاتي التشكيلية.  

وختاما، أتمنى من الله العلي القدير، أن يرفع عنا هذا الوباء ويحفظ الجميع من جبروته حتى  يتسنى للجميع العودة إلى الحياة العادية  !




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



حوار مع رئيس الكونغرس العالمي الأمازيغي فتحي بنخليفة

حوار مع رئيس جمعية أزا للثقافة والبيئة والتنمية الإجتماعية

حوار مع الفائز بالجائزة الاولى في صنف القصة القصيرة بالأمازيغية

الفنانة فاطمة أبنسير لتمازيرت بريس المسرح الأمازيغي يعاني في غياب الدعم

الدمناتي : لابد من الحيطة والحذر أمام القوى المحافظة المناهضة لترسيم اللغة الأمازيغية

حوار مع عميد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية

حوار مع المدير الجهوي لوزارة الاتصال – جهة سوس ماسة درعة - السيد مصطفى جبري

الدكتور الحسان بومكرض عميد الكلية المتعددة التخصصات بآسفي يتحدث عن جديد الدخول الجامعي 2012/2013

وفاء مرّاس : منطقة تاهلة ساهمت في الاستقلال لكن نالت التهميش والإقصاء

ضرورة توحيد اللغة الأمازيغية من حيث الرسومات