أضيف في 31 ماي 2022 الساعة 20:13


قرابين المهنة: سذاجة في غياب التحسيس والتوعية!! 


بقلم - الطيب آيت أباه

واحد التاجر متجوّل ناجح في مسارو المهني، كان كايتعامل مع المزودين ذيالو وزبناؤو بالطرق الكلاسيكية لمدة طويلة، كانت كفيلة باش يكتاسب فيها الثقة، ويبني فيها سمعة طيبة..

  كان في كل مرة كايتلاقَى مع زملاؤو، إلّا وكايقتارحو عليه يتعامل بالشيكات، لأنها مريحة في الأداء! وكاتسهل الكثير من الأمور، وفيها الأمان، وكاتعفي المتعامل بها مثلا من مخاطر التجول في السوق أو السفر إلى الدارالبيضاء وهو يحمل معه الأموال! 

  كان في الأول متردد، ولكن مع مرور الوقت، وإلحاح الأصدقاء، بان ليه يجرب حتى هو هاذ المعاملة، ويشوف هاذ الشيكات باش غادين ينفعوه في تطوير تجارتو؟

  تقدم لواحد البنك، وفتح فيه حساب بنكي بمبلغ 5000 درهم، من بعد المدة القانونية تسلم دفتر ذ الشيكات ذيالو، وقصد درب عمر، باش يتقضّى سلعتو..

  كان الأمر بالنسبة لصاحبنا التاجر المتجول مدهش وعجيب! لأن المزودين عارفين عليه الإلتزام والإنضباط، ولذلك حتى واحد ماردّو أو رفض يشد منّو الشيك! بل بالعكس كان كُلّما تقضّى من عند شي تاجر جملة، وعطاه الشيك بمبلغ الفاتورة، تايشدو من عندو، وفوق من هادشي كايتشاور معاه: "آشمن تاريخ بغيتي ندفعوه"؟ 

  هنا صاحبنا بدا تايبان ليه أنه كان مغفل طيلة الفترة اللي كان حارم فيها نفسو من التعامل بالشيكات! 

  شارجا صاحبنا جزء من السلعة في سيارتو، والباقي ارسلوه ليه اصحاب الجملة في الكاميو، ثم اخرج للسوق ولِيكِيدَا السلعة كاملة في وقت قياسي، ومن بعد ارجع عاوتاني لدرب عمر يتزوّد من جديد بنفس الطريقة! فكان الإعجاب ذيالو بهاذ دفتر الشيكات كايتزاد يوم بعد يوم، سيّما وأنه مقيوم عليه فقط ب 5000 درهم، ومع ذلك باقي تايجلب به السلعة دون أي عراقيل! 

  استمر صاحبنا على هاذ المنوال، حتى بقات ليه ورقة وحدة في دفتر الشيكات! دون أن يدفع سنتيما واحدا في حسابه البنكي! فقد كان صاحبنا يعتقد أن هاذ الكارني ذ الشيكات هو المَنفَذ السحري إلى خزينة البنك! وحتى في قراءة العواقب، فقد كانت له رؤية أخرى! 

  طبعا بعد فترة ستبدأ الشكايات بالتقاطر على صاحبنا التاجر المتجول! ثم سيتم اعتقاله، وعندما وُوجِهَ في المحكمة بالمنسوب إليه، طلبَ من السيد القاضي باش يجمع ليه مبالغ الشيكات كاملين اللي راجعَة ليه "بدون رصيد"، فَسَحبَ من جيبه ورقة الشيك الأخيرة، اللي كان محتافظ بها، وحرّر فيها المبلغ كاملا غير منقوص، ثم سلمها لهيئة المحكمة الموقرة بعد التوقيع عليها بكل ثقة في النفس، وهو يقول: "ها أنا نعام آسيدي، ها المجموع كامل خالص بهاذ الشيك"!

  مناسبة استهلالنا لهذا الموضوع بنكتة في قياس مقدمة ابن خذلون من الخذلان الذي صار حديث الساعة بين المتجرعين له من التجار والمهنيين أو المتشائمين منه! إنما هي تَوطئةٌ بريحٍ طريفة، لا بد منها، لما تتضمنه من إشارات، تحيلنا مباشرة على ظاهرة "الإنتحار المهني" المسكوت عنها! والتي بدأ مؤخرا قطاع تجارة القرب يكشفُ عنها! ولا أدل لدينا على ما تخفيه من معانات، أكثرَ من قصة التاجر ابراهيم آيت العسري من مدينة القنيطرة، الذي أفرغ قلبه، وهو يحكي قصته المؤلمة بنبرة من الحزن المُثخن بالجراح والندوب العميقة، بعد ما ألمّ به من إحباط جراء حكم بالإفراغ. كاشفا الحجاب عبر ڤيديو متداول في مواقع التواصل للرأي العام عن نموذج من المصير المجهول والمسكوت عنه في قطاع تجارة القرب..

  هاته الظاهرة التي أنتجَت في ظل الصراع الخفيّ، القائم بين القَهر والصبر، مع الإفراط في السكون إلى النوايا الحسنة، ما يمكن تسميتهم مجازا  بِـ"قرابين المهنة"! هؤلاء المنسيون عن عمد وإصرار في محميات التهميش المُسَيّجة بأسلاك الإستغفال! 

  ولأنها ظاهرة مستترة، تقديرُها ضمير منفصل عن المسؤولية، لم تَحظَ لا بالعناية ولا بالحماية التشريعية المنشودة من قِبَل مَن يُفترض فيهم أن يكونوا مِرآةً، تعكس واقع القطاع بكل تجلياته وأسراره المأساوية، هذا مع ما تفشّى فيه من سذاجة بلا رادعِ تحسيسٍ ولا توعية! لم يعد يخفى أن وراء الأكمة من يستفيد من استمرار تفشيها!!

  ختاما، ومن باب المزح والبسط، حتى أنا أيضا، ها واحد دفتر الشيكات ذيال الوالد الله يرحمو، عندو شي ستين عام، اللي باغي يتمّم بيه، راه فيه البركة.. واللي ما شْرَى يتنزه..




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة