أضيف في 11 يونيو 2022 الساعة 16:03


عقوبة بطُعم الياغورت والبسكويت!!



بقلم - الطيب آيت أباه

تكاد تكون من أبرز الزّبلات الطفولية المنقوشة في ذاكرتي، هاذيك ذيال نهار مشيت للبحر بلا خبار الوالد الله يرحمو، ومع إحساسي بالحرية آنذاك، قررت أنني نعوم في الصغيرة، وهي مرحلة من مراحل السباحة التي يعرفها جيدا أولاد يعقوب المنصور بالرباط، وذلك قبل الإنتقال إلى الكبيرة، ثم منها إلى المريسة. وقمّة التحدي وقتها، هي عندما تشاهد بناية السويسي من قلب البحر الكبير، قبل أن يحجبها عن الأنظار الزحف الإسمنتي اليوم، وجميعُها مستويات تدرجتُ عَبرها بسلام بعد ذلك..

المهم أنني وقتها تحمستُ كثيرا، فقررت تدشين مشوار السباحة من انطلاقاته الأولى، دون المرور من التشلبيخ التمهيدي كما يجب! ليَقع ما لم يكن في الحسبان. فقد رميت بجسدي في الصغيرة، أنا الذي كنت سمينا حينها بما يكفي، لكي أنزل بكل ثقلي على واحد الجالوقة مُسننة، شَقّت باطن قَدَمِي. الأمر الذي استدعى توجهي صوب صديق الوالد باالعربي الفرملي الله يرحمو، الذي لم يبخل عني بما تفرضه الحادثة من تخياط للجرح، كلفني عددا غير يسير من الغرزات، لا تزال آثاره بارزة إلى حد اليوم، لم تشفع ولا أسعفت كل السنين المتعاقبة في محوَ ندبته!

كانت الكارثة أعظم، وتفُوق مؤهلاتي التّمويهية، لذلك هرولت مباشرة إلى حضن الوالدة، لأحتمي بعطفها من صرامة الوالد، فكانت الفكرة أن أخلد للنوم قبل مجيئه، حتى أترك له متسعا من الوقت لاستيعاب الصدمة، غير أنّ احتمالاتي جميعها باءَت بالفشل، لأن والدي قدمَ من متجره عالما بتفاصيل الواقعة، وذلك طبعا لما يتيحه فضاء الحانوت من تداول للأخبار بأدق الجزئيات الواقعية منها والمفترضة! ناهيك أيضا عن التقرير المفصل لصديق الوالد باالعربي الفرملي، الذي عايَن عمق الجرح ولملمه!

المفاجأة التي لم أكن أتوقّعها، أنّ والدي أيقظني بلطف شديد من النوم، ثم ناولني كأس ياغورت وعلبة بسكويت، وهو يطبطب على ظهري، ويذكرني بتَرديد قَول "بسم الله" على مدى إلتهامي للوجبة الساحرة، تمهيدا للعقوبة! وما أن أكملت الوجبة فيما يشبه الخضوع للتخدير ما قبل إجراء العمليات الجراحية، واستقرت كاملة في بطني، حتى سلّ بّاالحاج حزام سرواله الجلدي كالشعرة من العجين، ثم شرع في تأديبي بما تمليه المسؤولية الأبوية وقتذاك. هكذا اختلطت دموعي بحلاوة الياغورت والبسكويت، ثم بعدها عدت للنوم مجددا، دون أن يمنعني المصاب من مواصلة إحدى هواياتي المفضلة مع الحذر المطلوب!

لكل حادث حديث، وقصة اليوم تعيدنا إلى الحديث عن فلقة سابق الزمان، عندما كان الأب هو الوحيد الذي يتخذ فيها قراره بشكل انفرادي، إما بالقبول الصريح أو بالرفض المُبطّن، وكان كل أب يُجيز هاذ الفعل حسب قناعاته الشخصية، ولكن طبعا دون معاينة الإبن يتألم تحت العقاب! واخّا يكون هاذ الأب حتى هو فايت منو جرب هاذ النوع من الجزاءات، وداز منها، على اعتبار أن الغاية تبرر الوسيلة! بينما الفلقة المتداولة مؤخرا عبر منصات التواصل الإجتماعي، هي فلقة جماعية على المباشر، حرّكت في الآباء عاطفة الأبوة، كما في المجتمع عاطفة الإنسانية!

هنا أغلب اللي شافو ذاك الفيديو ذيال الفلقة، ما بقاوش قادرين يبررو تقبّلهم لهاذ المنظر من وسط الجماعة، لأنهم ربما شعرو تحت رقابة جماعية افتراضية بنوع من الإستفزاز الواخِز!

النتيجة أن الغالبية تصوروا ذيك الفلقة، ولكأنها إهانة مشتركة! مع أن شحال من واحد بشكل منفرد، كان ربما قادر يخلق ليها أعذار نسبية، أو إلى حد ما، يلقَى ليها فتاوى مؤقتة، بمبراراته الشخصية، وطبعا بينه وبين نفسه، تحت رقابته الذاتية، وبمعزل عن الآخر، وعن هذا المجتمع الذي رفض اليوم "تعنيف الأطفال" بـ"مناهج تربوية" كانت مقبولة بالأمس، ولا تزال متداولة في بعض المناطق إلى حدود نشر هاذ الفيديو! ليبقى الحكم القضائي المترتب عن هذا السلوك، هو الفاصل بين القبول به في العادة أو الإعراض عنه في القانون!!

رحمك الله يا أبَتي، وجعل مثواك الجنة..




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة