أضيف في 31 يوليوز 2022 الساعة 01:15


قصة قصيرة بعنوان "عشريني محطم"


بقلم : إلياس الخطابي من المغرب

أيقظتي أمي أكثر من مرة ، بعد أن مر الصباح ، دقت في الباب ، وفتحته على مصراعيه ، ظلت تدق فيه باستمرار ، وتنادي علي ، لا تنتظر ردي ، ولا أن أتكلم . تذهب لتواكب ما كانت تفعل ، تنظف البيت ، وكل الغرف ، وترش الشعير للدجاج . وحينما لا تجد ما تفعل ، تخلق المشقة لنفسها . قلت لها مرارا :
-إجلسي ، واستريحي .
لم تنصت إلي ، ولو مرة . غالبا ما تجيبني :
-الذي لا يتحرك سيمرض ، الإنسان عليه أن يبحث عن شغل ليخدمه ، لا أن يظل نائما ، ويدور بدون شغل ، ولا هدف .
أرسلت أخي ليوقظني ، وصل للباب ، نادى علي أكثر من مرة ، ثم غادر . مر وقت قصير ، أتت أختي ، وبختني كثيرا ، سمعتها تقول ، وأنا بين اليقظة والنوم :
-أقرانك درسوا ، وتحصلوا على الشواهد ، أما أنت ، فأعوذ بالله منك ، غادرت الدراسة ، ولم تعد تفعل شيئا ، لا تشتغل ، ولا تكف عن السرقة ، وعن الإعتداء عن الناس ، والفتيات . وأضافت ، وصوتها أعلته أكثر :
-وفي الآونة الأخيرة ، أصبحت تدخن السجائر ، والحشيش ، وسمعت أيضا أنك تذهب مع ذلك الذي يشبهك ، إلى الحانة لتسكر ، أنت كل شيء يمكن أن تفعله ، أنت لست إنسانا ، أنت مجرم .

ذهبت ، وأغلقت الباب بقوة . سمعتها في الخارج ، تقول لأمي :
-هذا ليس رجلا ، عليك أن تيقظيه ، وأن تفعلي شيئا معه ، أن تهجريه من هذه المدينة ، وليذهب حيث يريد ، لا يهم ماذا سيفعل ، المهم أن يبتعد عنا ، إنه أكثر من فتاة ، إفتضت بكارتها ، إنه في كل مرة يأتينا بعار جديد ..

غاب عني صوتها ، إنقلبت . عانقت الوسادة ، بقلب مكسور ، وعيون دامعة . لم أستطع أن أحبس الدموع ، قاومتها ، لكنها إنفجرت ، وتفجرت من مقلتاي . مسحتها بيدي ، ثم إنفجرت مرة أخرى . قلت موبخا إياي :
-ماذا سأفعل ، وإلى أين أذهب ؟

 نهضت ببطء ، ركلت الوسادة ، وقنينة مياه ، وبصقت . لعنتني ، ثم رددت :
-تبا لي وللبلد الذي ولدت فيه .
دخلت المرحاض ، كنت أود أن أفرغ مثانتي ، لكن الخوف والغضب جعلا ذلك مستحيلا ، حاولت وحاولت ، لكن لم تنزل قطرة واحدة من شيئي . تنفست الصعداء ، غسلت وجهي بماء بارد وخرجت . بحثت عن الفوطة لأمسح بها ، لكنني لم أجدها . بحث كثيرا في الغرفة ، لا أثر لها .  أخرجت من الحقيلة قميصا ، ومسحت به وجهي .

خرجت من المنزل ، جلست قدام الباب . وظللت أتأمل العالم ، والزمان ، وما يحيط بي . إقتربت إلي أختي ، وقالت لي باستفزاز :
-يبدو أنك أصبحت أكثر من إبن الوزير يا محمد  ! ، تنام حتى تصل الشمس إلى كبد السماء !

لم أجبها ، ولم تكن لي رغبة في الكلام ، ولا في الخصام ، ولا في الأكل . إنني ممتلئ بالحزن ، والكره ، وبكل بؤس العالم .

ظللت لفترة قصيرة ، أراقب المارة ، وأنصت لما تقوله أختي لأمي ، وما تقوله أمي لها .  إزداد حزني بسبب ما يقولانه عني لبعضهما ، وبدأ الغضب يسيطر علي . نهضت ، فتحت الباب بعنف . دخلت لغرفتي ، غيرت ملابسي ، وارتديت حذاء ، ثم خرجت .

إتصلت بصديقي عادل ، لم يجب . مشيت ، دخلت في زقاق صغير ، إشتريت من بائع السجائر والمخدرات  عشرون درهما من الحشيش . حشرتها في الجيب ، ومضيت للحانة .

وصلت متعبا ، وخارت قواي . النهار على وشك أن ينتهي ، والشمس بدأت تغيب  ، وأنا لم آكل شيئا منذ البارحة . حدق بي الحارس النهاري ، وقال لي :
-أنت مريض ، إذهب لتأكل شيئا ، واذهب لحالك لتنام . لا تدخل لتسكر كي لا تمرض أكثر .
أجبته :
-أدخل سوق رأسك ، لا تحشر أنفك فيما لا يعنيك .
واكبت سيري ودخلت . جلست في الزاوية . الساقي يوزع البيرة على المسحوقين ، والفقراء ، والأغنياء  . إقتربت إلي فاطمة المطلقة ، التي غادرت زوجها ، وأتت إلى هنا لتقحب . عانقتني وبدأت تبكي . قلت لها :
-إبتعدي عني أيتها المصيبة .
أتى الحارس ، جرها كالكلبة ، وقال :
-إنها شربت كثيرة . وربما هي تبكي على زوجها ،  وعلى عالمها الذي تركته ، إن عالمها الذي بنته مع زوجها ، كان أفضل من هذا العالم ، لكن الإنسان هو هكذا ، لا يعرف السعادة التي  يعيش فيها حتى يفقدها .

النادل حمل قنينة بيرة ، وأتى إلي ، تركها على الطاولة ومضى . بدا لي أصبحت معروفا عند الساقي ، وعند القحاب . شعرتني كبرت ، وصرت أعيش عالما أجهله ، وانتقلت من عالم الطفولة إلى عالم الكبار . أشعلت سجارة ، دخنتها كلها ، أردت أن أشعل واحدة أخرى ، وجدت أستاذا درسني ، واقف قدامي  . حدق بي ، غير ملامحه ، وبدا لي غاضب ، إقترب إلي وقال لي  :
-ماذا تفعل هنا أنت ؟
-أشرب ، وأفعل ما يفعله الذين تلاعبت بهم الحياة .

غير نظراته ، وبدا لي قلقا ، وغاضبا أكثر ، تنفس بعمق ، وأضاف :
-إنهض من هنا يا محمد ، واذهب لحالك، وابحث لك عن حل ، السكر لم يكن يوما حلا .

مضى ، وتركني وحدي .  دخل كمال ، جلس على كرسي ، سلم علي ، أشعل سجارة ،شرب من بيرته ،  وقال :
-ما نعيشه ليست حياة .
نهضت ، وقفت . حدقت في كل السكارى وخرجت . أتبعني الساقي ، مسكني من ذراعي ، وقال لي  بغضب :
-لم تؤد ثمن البيرة يا محمد !

أخرجت ما في جيبي ، أخذ ثمن البيرة ، وذهب ليواكب عمله .

خرجت من الحانة . مشيت ببطء . وصلت للبحر ، جلست ، تأملت كثيرا الأمواج التي تأتي وتذهب . دخنت ما لا يعد من السجائر . نهضت ، شربت قنينة من المياه المعدني  . رميت القنينة ، وركلتها بقدمي . واصلت سيري ، حينما وصلت للباب ، رآني رجلا كبيرا في السن ، إقترب إلي ، وقال لي :
- من أنت ؟ ،وماذا تفعل هنا  في هذه الساعة المتأخرة من اليل .
قلت له قبل أن أمضي  :
-أنا عشريني محطم ، لا شغل لي ، ولا مأوى يأويني ، آتي إلى هنا ، لعل أمواج البحر تأخذني من هنا ، إلى مكان أفضل من هذا .




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة