أضيف في 18 غشت 2022 الساعة 20:58


كيف الرهان على الشباب في ظل افلاس الاحزاب !!


بقلم - ذ. محمد بادرة

اقر عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو BOURDIEU بان هنالك اتجاها عاما في علم الاجتماع يعتبر الحدود بين الاعمار او الشرائح العمرية حدودا اعتباطية حيث لا نعرف اين ينتهي الشباب لتبدا الشيخوخة، مثلما لا يمكننا ان نقدر اين ينتهي الفقر ليبدا الثراء.
الحدود بين الشباب والشيخوخة كانت دائما "رهان صراع" قائم بين هاتين الشريحتين العمريتين، وهو صراع له امتداد في الزمان، وتتجلى بصورة واضحة في العلاقة القائمة منذ القدم بين الاسياد والنبلاء من جهة والشباب من جهة اخرى، وكانت تلك العلاقة تحكمها تقاليد ثقافية ومسلمات ومثل وقيم راسخة ومستحكمة، تربط الشباب بقيم الفحولة والرجولة والعنف والقوة في حين تبقى قيم الحكمة والرصانة والنضج والرشد والتعقل والمنفعة من شيم الشيوخ مما يؤهل هؤلاء "المسنين" للانفراد بامتلاك السلطة و الثروة والنفوذ و هي علاقة رأى فيها جورج دوبي G . DUBY انه يحكمها مبدا التلاعب حين يبين ان اصحاب الثروات والمناصب العليا يحرصون على ان يظلوا هم المؤهلون بالاستخلاف في مناصب المسؤولية والحكم اما الذين هم في "حالة الشباب" فيبقون في حالة لا مسؤولية، وبالتالي فشريحة الشباب غير مؤهلة للجاه والسلطة، وهو الامر الذي يستبطن تصورا ايديولوجيا للحدود بين الشباب والشيوخ، يعطي اشياء محدودة وبسيطة لمن هم اصغر سنا ويترك الاشياء الثمينة لمن هم اكبر سنا. ليبقى جزءا من المجتمع في حالة غير راشدة اي حالة شباب، وهي سياسة اقصائية من قبل الكهول (الراشدون -الناضجون) حتى يضلوا مالكين للسلطة والثروة والجاه ويبقى الشباب خارج تلك الدائرة اي في حالة تبعية وقصور ووصاية.
ان هذه الصورة النمطية المتوارثة عبر التاريخ تحاول اخراج الشباب من دائرة الحياة الاجتماعية والسياسية لتقيم نظاما خاصا في توزيع السلط على اساس السن، نجدها متجلية وظاهرة في كل الثقافات والحضارات والمجتمعات، فها هو الخليفة الاموي عمر بن عبد العزيز لما تم استخلافه، قدمت اليه وفود الاقليم العربية والاسلامية وكان بينها وفد الحجاز، فتقدم منهم غلام (شاب) للكلام باسم وفد الحجاز، فقال له عمر(يا غلام ليتكلم من هو اسن منك)، فأجابه الغلام (يا امير المؤمنين انما المرء باصغريه قلبه ولسانه، فاذا منح الله عبده لسانا لافظا وقلبا حافظا فقد اجاد الاختيار، ولو ان الامر بالسن لكان هنالك من هو احق بمجلسك منك)فقال عمر(صدقت، تكلم ، فهذا هو السحر الحلال..)
اشتغل علماء الاجتماع وعلماء النفس وانشغلوا كثيرا بكل المراحل العمرية للكائن البشري، وفسروا الظواهر المرتبطة بكل مرحلة عمرية، الا ان عددا منهم استطاعوا ان يزيلوا الخلط بين مصطلح الشباب و مصطلح المراهقة، واجاد منهم موريس دوبيس Debesse حين تفوق في التمييز بينهما، فمصطلح الشباب Jeunesse ومصطلح المراهقة Adolescence لا يحملان المعنى نفسه، فالمراهقة ذات مدلول عام وتعني مجموع التحولات الجسدية والسيكولوجية التي تحدث بين سني الطفولة والكهولة، اما الشباب فيعني الجانب الاجتماعي للمراهقة، ويتجلى ذلك في الجيل الذي وصل الى الاكتمال في النضج وامتلاك كل القدرات التي تؤهله لإزاحة من هم اكبر سنا بالحط من مكانتهم وإخراجهم من دائرة الحياة الاجتماعية والحلول محلهم وذلك لما يتمتع به هذا الجيل من حيوية وحماسة.
هذه المقومات "الشبابية" هي التي تساعد على استمرارية تغير الاجيال، فلو لم تكن هناك اجيال جديدة عبر كل السياقات الاجتماعية لاستحال التجديد، وفي وضعنا الاجتماعي والسياسي المغربي، نلاحظ كيف ساهمت التحولات والاحداث التاريخية التي ميزت عشريتي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي في بروز حركة شبابية- طلابية مغربية مسلحة بثقافة سياسية وايديولوجية ثورية جديدة (ا و ط م ) وساعدت في ظهور فاعلين سياسيين وثقافيين جدد كان لهم الفضل في عملية التشبيب الاجتماعي والثقافي والسياسي للمجتمع المغربي مسلحين بروح وحماسة نضالية - ثورية جديدة لأجل بناء مصير جديد مبني على تجارب جديدة وفي اطار اجتماعي وسياسي وفكري جديد يربط بين افراد جيل واحد.
هذه الحركة الشبابية المغربية كانت تجربة نضالية جديدة في مجتمع تقليدي، و كانت قوة محركة للتغيير الاجتماعي بسطت نفوذها و نموذجها التغييري في الساحات الجامعية وفي الشارع السياسي خلال سنوات(63- 65-81-84..2011 ) اما امتدادها داخل الاحزاب الوطنية والديموقراطية واليسارية فكان واضحا وجليا استطاعت بجراتها وثقافتها الحديثة ان تطرح قضايا سياسية غاية في الجرأة وفي الشجاعة السياسية مثل: تصفية ملف الاعتقال السياسي – الحقوق السياسية والمدنية – الحرية – الكرامة – العدالة الاجتماعية – المرأة ...  وهو ما دفع الكثير من الباحثين الى الانكباب على دراسة السلوك السياسي للشباب المغربي في محاولة لتفسير وتحليل دوافع هذه الثورية          " العنيفة" في مرحلة من مراحل التاريخ السياسي الحديث  في المغرب: هل كان هذا المد الثوري الشبابي المغربي ناجما عن تأثيرات خارجية (الأيديولوجيات الثورية والقومية والماركسية وقيام انظمة شيوعية في اوربا واسيا وامريكا اللاتينية )؟ ام هي بفعل عوامل داخلية اجتماعية وسياسية وثقافية؟
حسب قراءات عديدة لباحثين ودارسين مغاربة فان معرفتنا بشبابنا لا يمكن ان يرتبط –فقط- بما يموج في واقعنا ومجتمعنا المحلي من عبث او فساد سياسي، بل يمتد ذلك الى  نوع علاقتنا بالعالم الخارجي، وتفاعلنا مع اعظم واخطر التحولات التي تفرضها ظاهرة العولمة، فالفضاء السياسي الذي تشتغل فيه احزابنا يكاد يكون جامدا، اما وضعيتها ففي ترد متواصل وتراجع مستمر حتى انها فقدت التأثير على المواطنين وعلى الشباب بالخصوص، بل يكاد كثير من هؤلاء الشباب يفقدون الثقة بالمؤسسات الحزبية واليأس من قدرتها في تحسين الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية مما افقد المعنى للحياة السياسية والحزبية بالمغرب، و بمرور "الزمن الحزبي" البائس المفلس انبثق من جديد شعاع من النضال الشبابي لكن باليات اشغال جديدة هي عبارة عن تنسيقيات ضمت شبابا من احزاب يسارية ونقابات عمالية و طلبة جامعيين .. انخرطوا في حركة 20 فبراير باعتبارها النسخة المغربية لنسائم الربيع العربي ساعية الى اعادة الاعتبار للسياسة كفن تحقيق المستحيل مطالبين ومدافعين من اجل تحرير الاقتصاد والسياسة والمجتمع من الفساد الاداري والهيمنة المخزنية.
لكن وبالرغم من كل هذه المحاولات الشبابية لابتداع اشكال جديدة في العمل السياسي الا انه تبقى الاحزاب السياسية تشكل العمود الفقري للبناء الديموقراطي بحيث لا يمكن الحديث عن الديموقراطية الحقة في غياب احزاب سياسية لها برامجها وافكارها ومواقفها والياتها في التأطير والاستقطاب. وتعتبر المشاركة الحزبية ركيزة البناء الديموقراطي وضمانة التغيير الايجابي،(اذ لا يمكن بناء دولة قوية دون احزاب قوية، ولا يمكن للأحزاب ان تكون قوية دون استيعاب وفهم مطالب الناس واقناعهم بالمشاركة السياسية الفاعلة والواعية وتوفير المقومات الضرورية لهذه المشاركة) - نحو تطوير الاحزاب السياسية بالمغرب- قاشي م. الكبير
و بمقارنة بسيطة بين واقع الانخراط الحزبي بين الامس واليوم يمكن تقديم صورة  واضحة لازمة الذات الحزبية وانحسارها وتقوقعها حول ذاتها.
في الماضي القريب قبل واثناء وبعد الاستقلال كانت الاحزاب الوطنية تضم مئات الالف من المنخرطين طلبة وتلاميذ وعمالا وعاطلون وموظفون وفلاحون كتعبير عن الاداء الحزبي على مستوى التأطير والتعبئة والتنشئة السياسية، وكان مدماك هذه الحيوية الحزبية الشباب الذين ساهموا بفكرهم وقوتهم وعددهم  في تأطير المواطنين واستقطابهم لصالح الاحزاب الوطنية ومن كل الفئات والشرائح ومن كل الحواضر والقرى...
لكن اليوم تحرج الاحزاب الوطنية عن تقديم معلومات مدققة حول حجم الانتشار التنظيمي لها وعدد الفروع وعدد التنظيمات الشبابية وعدد الاعضاء المنخرطين والمتعاطفين  وبتتبع مؤتمرات هذه الاحزاب فانه تغيب تقارير مفصلة ومدققة عن عدد المنخرطين والمتعاطفين وحجم العضوية في هذه الاحزاب مما يجعله سرا من اسرار الحزب. (المرجع السابق)   
حقيقة ان الظروف تغيرت وتعقدت العلاقات والتراكيب الاقتصادية، وتبدلت المعطيات الاجتماعية، واختلفت الرؤى السياسية عن ذي قبل، ومن الطبيعي ان تفرز العلاقات والاوضاع المستحدثة قيادات جديدة تملك ميزة التجانس مع هذا الواقع الجديد الذي نتعامل معه. ولذا كان على القيادات التاريخية التقليدية ان تفتح المجال لهذه الفئة الجديدة من الشباب الذي يتسيد حركة المجتمع ويملك نضجا سياسيا  وطنيا ومهنيا واجتماعيا وعلميا، غير ان الاستقراء الحالي للأوضاع داخل التنظيمات السياسية والنقابية يؤكد انه لم يحدث اي تغيير او تجديد، فالقيادات المحترفة لا تزال تصر على احتكار المسؤولية  وتعمل على تحصين مواقعها في قيادة في هذه التنظيمات، بل و"تقاتل" تنظيميا و"اعلاميا" و"توجيها" وبعنف رمزي غبي – احيانا -  ضد الكثير من  الكفاءات الشبابية التي تخالفها الراي، بل نزلت هذه القيادات بالخلاف في الراي الى مرتبة الخصومة ونزلت بالخصومة الشريفة الى مستويات الاسفاف وفقدت التمييز بين ما هو سياسي وبين ما هو شخصي.
وفي محاولة  سريعة يمكننا تلمس موقع الشباب والنساء داخل الاحزاب المغربية على انه كان مجالا للديكور الحزبي لا غير، فالمرأة تشغل موقعا هامشيا في مركز القرار الداخلي وهو مجرد وجود من اجل تلميع صورة الحزب بالشكل الذي تبدو فيه جزء من الديكور الديموقراطي.
وبالنسبة للفئة الشباب باعتبارها فئة ديناميكية بالنظر الى مستواها العلمي والمعرفي وكذا باعتبارها الضمانة الاكيدة لاستمرارية التنظيم ورهان تحقيق استراتيجياته واخذا بالحسبان شساعة طيفها في بنيان الهرم الديموغرافي، فان انخراط هذه الفئة داخل الاحزاب لا يتجاوز نسبة مائوية ضئيلة مما يطرح استفهامات ومفارقات محرجة لا يمكن فهمها الا باستحضار عدة عوامل متكاملة من بينها :
- اعتبار هذه الفئة من طرف القيادات الحزبية كجيش احتياطي يصلح لتأثيث المؤتمرات، والاشتغال في الحملات الانتخابية كأصوات للاحتفاء والتشجيع فيما لا يحضر في اعلى دوائر التدبير الا من اجل تلميع الواجهة، زيادة على ان الاحزاب لم تعد تغري الاجيال الجديدة اذ اصبحت غريبة بخطابها ومؤسساتها داخل مؤسسات الدولة
- استحضار مرحلة القمع السياسي التي عرفها المغرب في منتصف الستينيات والى بداية التسعينيات والتي تعرض فيها الشباب لقمع شرس وهو يمارس العمل السياسي داخل تنظيمات محظورة او داخل احزاب يسارية او تنظيمات طلابية مما تسبب وساهم في مغادرة طاقات هائلة من الشباب للأحزاب والتنظيمات السياسية وامتناع عدد كبير منهم عن الانضمام الى الاحزاب لأنها لا تسمح لهم بإبراز طاقاتهم وامكاناتهم وانتظاراتهم وتصوراتهم وادت الى تنامي العزوف السياسي بشكل عام.
ويبقى اكبر عائق امام هذه الاجيال الشابة هو "افلاس" الاحزاب الوطنية وغياب اي افق ديموقراطي يمكن ان يبني من جديد الثقة بين الاجيال داخل الاحزاب رغم اصرار هؤلاء الشباب على تغيير وجه العمل الحزبي، واختيار النضال في مواقع متعددة وباليات مختلفة ( جمعيات المجتمع المدني)، فكيف الرهان السياسي على الشباب في ظل "افلاس" الاحزاب؟؟؟
محمد بادرة




 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مرحلة المراهقة

الأمازيغية وسيناريوهات ما بعد الدستور الجديد

المراة في الاساطير الامازيغية بالاطلس الصغير

الموظفون الأشباح

نصيب الصحراء من كعكة وثائق "ويكيليكس"

نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير ذواتهم ويشعرون بالفشل ويواجهون إعاقات نفسية

رد : دولة المخزن ليست

مهرجان تفاوين في مهب التساؤلات

الإنسان ومبادئ الحياة السامية

عفريت الحرية .... خريج بلا وظيفة